
يقول ويليام وردزورث في قصيدته "Daffodils": "اتجول وحيداً كسحابة" وبشكل مثير للسخرية، يلتف وجودي كاملاً حول تلك العبارة وكأنها الشيء الوحيد القريب لفهمه. كنت قد ظننت لبعض الوقت أن قدري يحوي التعقيد الكافي كي لا انتمي لأي فكرة او مكان أو شخص ، أو أن أحداث حياتي هي التي تحمل تلك الطبقات الكثيفة من الجنون المحض، ولكني أدركت أن ذلك التعقيد منسوج بالتحام كامل مع روحي. تستيقظ تسنيم بنت الخمس سنوات من حلمٍ مرعب أن المبنى الذي تسكنه يتداعى، تخطى عدد المرات التي حلمت فيها بهذا الحلم أصابع يديها وقدميها، وحيث أنها لم تتقن العد أبعد من ذلك، كفت عنه. تستيقظ في فزع وتقول: هناك أطباء نفسيين، إذا ما أخبرت والدي بذلك الحلم المزعج المتكرر، أسيستطيع الطبيب معرفة ما في بالي؟ لا يستطيع أحد أن يبلغ أسوار عقلي، تلك فكرة غبية. كانت تنظر إلى المرآة، وحينها أدركت: العناد والجدل والثورة والسخرية اللاذعة كانت وسيلتها الوحيدة للدفاع عن نفسها في عالم لم يهتم أن يفهم دواخلها. تخيلت: لو كنت صخرة أكنت سأشعر كما أشعر الآن؟ بماذا شعرت جدتي حين ماتت؟ كيف يعيش النبات حياته؟ باحثة عن كائنات لم يفهمها أحد لربما تجد فيهم صحبة طيبة. نخيل يحمل شعراً مضحك الشكل واللون، عواميد إضاءة تحمل قصة شعر (من وجهة نظرها) جميلة حين تفتح تسنيم عينيها نصف فتحة، صدفات تصدر صدً صامت للهواء في الأذن. تنفق مصروفها كله كي تشتري الحلوى لأصدقائها الأصغر عند ذهابهم إلى مكانهم السري ليتشاركوا ما جمّعوه من قطع "Hulk" وهي لا تحبه، ولكن يعجبها البحث نفسه. بيتها؟ بيت من الشوكولاة، ألعابها؟ تكسرهم، تدمجهم ببعضهم البعض، لتصنع ألعاباً تناسبها. تصرفاتها؟ لم تكن تحب ألعاب الفتيات ولا الفتيات أصلاً. بدأ الموضوع ب "لو كنتي ولد كان أسهل". لكنها أيضاً لم تكن تحب الأولاد ولا ألعابهم. تمر تسنيم بمراهقة، تتمرد فيها وتقول أن ذلك الاختلاف الجوهري في أساسها هو فخرها، فتسمع "لنكن بارك" وتتصرف بتمرد تام كثائر. يقول لها والدها "كل حاجتك متعبة". حتى أصبحت آنسة مناسبة للزواج. تتزوج تسنيم، وكعادتها، يشوب ذلك الزواج درجات ودرجات من التعقيد. فتتحول إلى أوليف باندرجاست في فيلم 'Easy A' تخبر الجميع أنها 'امرأة' وليست 'بنتاً'، في حين أن خلال زواجها الذي دام عامين لم تُمسّ، لكنها تختار التكتم وكأنه فعل نبيل... حين تقرر تسنيم انهاء تلك الكذبة المؤلمة، وحمل ذلك اللقب الثقيل: 'مطلقة'. ينظر لها الناس كما ينظر الجميع لهيستر برين، تحمل وشماً خفياً للحرف القرمزي على صدرها، عدا انها لا تعرف الفرق بين العلاقة الجنسية وكوز الذرة. لم تعرف لدرجة أن ذلك الزوج، خلال الكذبة التي اسماها زواجهما، استغل ذلك الجهل المجحف باقناعها تماماً أن جسدها غير مهيئ أصلاً، فتسير في دوامة من الصراع مع الذنب والدكاترة... وعندما تكتشف تسنيم بصدفة مثيرة للسخرية أن لا خطب بها، وأن ذلك الزوج استغل ذلك الصدع الخطير في معرفتها لاقصى مدى، يتصدع الاعجاب باختلافها ويتحول لتوسل للحياة أن تتسع بضع إنشات لتحتضنها. تهرب بحركة درامية، بفستان مفكوك الأزرار، نحو اللاواقع، نحو اللاشيء، نحو غابة كثيفة تبتلع وجودها لتحميها من القدر. وحين تضل أحداث الحياة أثر تسنيم، يضيع اتصالها بالحياة وتغدو الغابة مقبرة شاعرية، تلفظ فيها خيالها ليندمج بلا تفرقة بالواقع ثم تستسلم لموت جميل. تسير، تلمس جذوع الأشجار وتدرك الآتي: من البشر؟ من تسنيم؟ كيف يمكن أن تغدو الفجوة بين الاثنين كعمق جرف؟ يؤلف البشر المسلسلات والروايات، وكل ما تستطيع تسنيم فعله هو أن توزع قطعاً من نفسها متفرقة، وليس نفسها كلها، تقسم ذلك الشكل المعقد إلى أشكال أولية، مثلثات، مربعات، دوائر، كي تستطيع وضعها في استعارات تشرحها، بدلاً أن تشرحها على وجه الدقة صورة واحدة. تتحول لجميع أشكال الحياة، سحاب ونرجس وملائكة وشياطين، لتحل لغز الكائن الذي يقع دوماً في منتصف جبهة التعقيد، كشخص، كحدث، كحياة، كمخيلة؛ كشيء نتج عن خلل مفاجئ وغير مقصود في الوجود. تصف نفسها بسخرية أنها بقعة من عصير عنب على زيّ الكون، بقعة واضحة مزعجة تكسر النمط، لا يستطيع أحد التخلص منها ولا التغافل عن وجودها. ليست تسنيم فتاة عادية بالكامل، ليست تسنيم أوليف باندرجاست بالكامل، ليست تسنيم هيستر برين بالكامل. تسير مشردة بجسد بالٍ وثياب رثة، بعدما شاخ عنها عالم أنجبها ثم عاملها كإبن غير شرعي... يجلس الابن غير الشرعي للكون تحت شجرة ليحتمي من المطر، ثم ينظر إلى سماءٍ رمادية ويفكر: أيمكن أن تكون فورد بريفكت من رواية دليل المسافر إلى المجرة؟ ربما تنتمي لكوكبٍ آخر غير كوكب الأرض، ربما علقت سفينتها في الأرض ١٥ سنة في انتظار ابناء فصيلتها أن يأتوا ويعيدوها أرض الوطن، ربما ستأتي السفينة الآن لتنتشلها! عدا أنها ليست فورد بريفكت، فهي لا تعلم أصلاً أين أرض الوطن... يبكي السحاب بحرقة فوق رؤوس الجميع، وتتبلل جدلات شعرها الرقيقة... تتأمل: يقول ويليام وردزورث في قصيدته "Daffodils": "اتجول وحيداً كسحابة" تتخيل، ناظرة إلى مجموعة أرانب تهرع داخل حفرة في الأرض، احتماءاً من نحيب السحاب، أن لربما لا بلد محدد لها، أنها 'آليس' التي تسقط دوماً في بلاد العجائب. عدا أنها 'آليس' و بلاد العجائب في آن واحد... تتمتم: أنا 'آليس'، وتقنع عقلها المذعور أنها في بحث مستمرٍ عن أرض وطن مُخترعة، عندها ستقابل حبيبها المُخترع في مخيلتها: 'إلياس'، الذي ينتمي إلى نفس فصيلتها المعقدة، في كوكبها الأم في تجعيدة بين حاجبيّ نسيج ذلك الكون. أنها ستعيش في أرض لا تطلب منها أن تحب لعب الفتيات، ولا الصبية، في أرض لا تطلب منها الاندماج، في أرض يهتم حبيبها 'إلياس' باخبارها الحقيقة، وحين تظهر تلك الندوب العميقة، في الفهم أو الروح، يطلي تلك الفجوات بالذهب، يلفها بالحرير، يحمي تلك التجاويف العميقة... تتمتم: بعد أن صب أحدهم السم في تجويف أذني أثناء نومي بثقة في بيته المحصن لأموت كملك الدنمارك، سيغطي إلياس الأذن برفق كي لا تؤذيها نسمات الهواء..ثم يغرقها المطر تماماً. تغفو أبداً، حيث يتساوى الواقع بالخيال، والحياة بالموت...
المعجبون (1)