
أعطني جزءًا من وقتك، ومساحةً من خيالك.
تخيَّل معي أن لديك كيسًا صغيرًا سميكًا من الشاش، ملأته عن آخره بمِلح الطعام، ثم ربطت فوهته بإحكام حتى لا يتسرَّب الملح منها.. ثمَّ علَّقتَ الكيس بخيطٍ، ودَلَّيته في إناءٍ كبيرٍ من الماء العذب.. ماذا تظن أن يحدث؟
تمامًا. إذا رفعت الكيس من الماء بعد بضع دقائق لا غير، ستجد الملح قد تلاشى، ذاب، فلا تبقى منه – إن بَقِيَ – سوى بعض ذرات متعلقة بالكيس. كيف في رأيك حدث ذلك وقد كان الكيس ثقيلًا سميكًا وفوهته مربوطة بإحكام؟ واضحٌ أن اختيار كيس الشاش كان فكرة سيئة؛ فهو كثير الثغرات، سمح للماء أن يتسلل إلى داخله، حتى ذاب الملح وتبدد فيه، فصارَ جزءًا لا يتجزأ منه إلا بعملية أخرى أصعب وأطول وقتًا.
هل تخيَّلتَ هذا الحدث الطبيعي؟ هو أيضًا طبيعيٌ في حياتي وحياتك وحياتنا وحياة بابا وناهد وكلنا، كوننا – للأسف – كائنات اجتماعية، ولأن "الجنة من غير ناس ما تنداس" وما إلى ذلك.. نختلط ببيئات وأوساطٍ ودوائرَ مختلفة، ومع طول الاختلاط، وربما هشاشة جدران النفس مع ذلك، تجد أن تلك البيئات، صَلُحَتْ أم فَسَدَتْ، كانت مصدر قوةٍ لك أو مصدر ضعفٍ، مُثْرِيَةً لقلبك أو مُجْدِبَةً له، قد تَخَلَّلت وجدانك؛ فإما أن تذوب معها حتى تبلغ حدَّ التماهي والتلاشي فلا تعود لروحك ملامح، وإما تصل إلى حالةٍ باردةٍ من التصالح معها والقبول بها، وربما الموافقة.. حالة التوازن الميت، "الزومبي" أو "الموت حيًا" أو "الميت الماشي"، سَمِّها ما شئت فلن أختلف معك هنا.
وهنا، إن أردتَ لروحك نجاةً، يجب أن تكون لك وقفة.
إن كنتَ تزدهر، فابقَ في تلك البيئة، تَمَسَّك بها وانهل منها ما استطعت، وربما استمتع بوقتك، ولا أنسى أن أنصحك أن تحفظ مِلْحَ روحك، أصالتها، من تمام الذوبان.
لكن، إن كان مِلْحُ روحكَ يذوب، يتلاشى، يذهب مع الماء، فاعلم أنه وجب عليك إما أن تسحب نفسك من الماء؛ لِتَنْفُدَ بما بَقِيَ.. أو إن عَجِزَت عن الخروج مؤقتًا أو دائمًا، أن تُقَوِّي دفاعاتك، أن تستبدل بالشاش شيئًا آخر يحفظ لك ما بقي منك.. لِتُنْقِذَ ما بَقِي، قبل أن تتبدد.
12/7/2026