من أكون حين تنطفئ كل الشموع؟

كان يا ما كان
في مرسم يحاوطه سكون الليل وتفوح منه رائحة زيت الكتان والآمال المحبطة، جلست رسامة خذلتها أحلامها تنظر إلى فرشاتها الملقاة على الأرض.
لم تكن تعرف متى بدأت تكره الفرشاة. أو متى بدأت الفرشاة تكرهها.
في البداية، كانت المسألة بسيطة: ترسم، تخطئ، تمسح، تعيد. لكن اليوم، صار كل خطأ يشبه حكمًا بالإعدام. صار اللون الأبيض يتهمها بالجبن، والأسود يتهمها بالادعاء.
لم تكن تعرف كيف خرجت الأمور عن سيطرتها.
فجأة، لاحظت شيئًا غريبًا: النافذة التي كانت مغلقة طوال اليوم، أصبحت مفتوحة قليلًا. وهي لم تفتحها. دخلت نسيم خفيف، فحركت ورقة صغيرة مرسومة فوق الطاولة.
الورقة طارت وسقطت بجانب ثلاث شموع شاي لم تكن هناك من قبل. شموع صغيرة، بسيطة، ملفوفة بورق أصفر.
رفعت الشموع، ونظرت إليها. لم تتذكر أنها اشترتها. لكنها كانت هناك، وكأنها وضعت خصيصًا لهذه الليلة.
أشعلتها واحدة تلو الأخرى، بدافع الفضول لا الألم.
الشمعة الأولى:
ارتفع لهبها بهدوء، ثم اتخذ شكلاً يشبه أذن إنسان. سمعت صوتاً لا يأتي من خارجها ولا من داخلها:
"لأن الصباح لا يزال يعرف اسمك. هذه حقيقة إدارية، وليس مديحًا. أنتِ تستمرين بالاستيقاظ لأن الريح لم تنسَ طريقها إليكِ. سجلي اعتراضك على ورقة صفراء إن أردتِ، لكن النتيجة واحدة."
لم تفهم. لكنها شعرت بالفضول.
الشمعة الثانية:
وهجها كان أكثر زرقة، وصوتها أقرب إلى همس أمينة مكتبة تعبئة:
"السؤال 'هل لكل هذا معنى؟' هو من الدرجة الثالثة. تحتاجين لملء استمارة زمنية، لكن الانتظار في حد ذاته ليس عقابًا، إنه جزء من اللعبة. اللوحة التي أمامك – أياديها غير مكتملة، عيناها موحلتان – هي ليست عملاً فنياً. هي صديقة تنتظر منكِ أن تجلسي دون خطة."
حدقت في اللوحة. ربما كانت على حق.
الشمعة الثالثة:
كانت أصغرهن، وأكثرهم هدوءًا. لهبها بالكاد يُرى. لكنها قالت بصوت يشبه دفء البطانية القديمة:
"أما سؤالك الأخير: أي لوحة تريدين أن تحتضنيها في آخر يوم؟ ليس المهم إجابة، بل أنكِ تسألين. الشموع لا تخاف من النقص. الشموع تحترق وتنطفئ، وهذا هو القانون الوحيد. استمري في الإضاءة. أو لا تستمري. القوانين لا تحاسبك، فقط تنتظر."
بعد ذلك....
لم تنم تلك الليلة. ظلت تحدق في اللهيب حتى ماتت الشموع واحدة تلو الأخرى.
الشمعة الثالثة كانت آخر من مات. لحظة انطفائها، رأت وجهها منعكسًا على الزجاج المظلم. كان وجهًا مختلفًا: لم يكن حزينًا، بل متسائلاً، كطفلة تلمس أول قطرة مطر.
في الليالي التالية، صارت الشموع تظهر من تلقاء نفسها. كل ليلة، كانت تجد ثلاث شموع جديدة بجانب اللوحة. كانت تشعلها، وتسمع إشارات جديدة:
"لماذا أرسم؟ لأن الغيمة أمس كانت تشبه خروفًا، وسر هذا التشبيه لن يراه سواكِ."
"هل يراني أحد؟ القطة التي تنام على كرسيك تراكِ. غبار الألوان الذي يلتصق بملابسكِ يراكِ. هذا هو الجمهور الحقيقي."
"ماذا لو لم أستيقظ غدًا؟ ستتفتح الزهور التي زرعتيها على أي حال. وهذا سيكون سرًا بين التراب والسماء."
لم تكن تعلم إن كانت هذه الإشارات حقيقية، أم مجرد حوار داخلي اتخذ شكل لهب. لكنها لم تعد تسأل. أصبحت تنتظر الشموع كل مساء، كما ينتظر المرء صديقًا ثرثارًا لا يقدم حلولاً، فقط وجوده يخفف الوحدة.
الربيع:
مرت أشهر. ذات صباح، فتحت النافذة فرأت زهورًا صغيرة تخترق التراب. كانت هناك دائمًا، هي فقط لم تنتبه.
سألت نفسها بصوت خفيف، يشبه همس الشموع:
"من أكون حين تنطفئ كل الشموع؟"
ثم أطلقت ضحكة صغيرة. لأنها تذكرت: حتى الشموع لا تعرف الإجابة. لكنها تستمر في الإضاءة، وهذا ربما هو السر.