تقرير السيدة ب.

بسمة خالد حنفى

. 6 د قراءة

ماذا لو بنينا شيئًا بدلاً من هذا؟



حول حلقة صغيرة لم أدرها، والصباح الذي اخترت فيه أن أكتب

استيقظت اليومَ قبل أن تصير المدينة نفسها. قبل الأذان، قبل الأبواق، وقبل أن يضرب الضوءُ النوافذَ العالية فيجعلها ذهبيةً أولاً، ثم لا ترحم. في تلك الساعة، شعرتُ أن الصمت شيء حقيقي. ليس انقطاعَ صوت، بل كتلةٌ لها وزن. يطلع من أفنية الهرم الرطبة، حيث قطةٌ نائمة على غطاء سيارة، ويتسرب من تحت باب شقتي، ويأتي من مكان ما في جسدي. لا أعرف أين هو، لكني أحسه هناك، منتظرًا. مددت يدي إلى الهاتف قبل أن تكتمل الفكرة في رأسي. الأصابع تعرف الطريق وحدها، عضلاتٌ حفظت الدرس دون إذني. ليس هذا جديدًا. ليس خيارًا. هو ما يأتي بعد، كما يتعوّد الجسد شيئًا فينسى أنه عاش بدونه. ملأت الشاشةُ الظلام. صورٌ وأصواتٌ تتشظى. بيضٌ في شرفةٍ في إسطنبول. امرأةٌ تبكي في فيديو مذيل بكلمات سأنساها حتمًا. فيلمٌ حفظته منذ سنين ولن أشاهده، مدفون تحت أشياء أخرى حتى صارت القائمة لا تشبه أمنياتي، بل مقبرةً صغيرة للنوايا. ارتاح صدري. هذه هي الراحة. تأتي وحدها، كنسيمٍ من شباكٍ تركته مواربًا. نهضت، مشيت إلى النافذة. المدينة ما تزال رمادية. أعرف أنها بعد ساعة ستطلب مني كل شيء: تركيزي، وجهي، الابتسامةَ التي تدربت عليها طويلاً وأخفيتها في حلقي كحجرٍ أملس. أما الآن، فلا تزال المدينة تتنفس وحسب. وأنا أتنفس معها. أنا أسكن في الهرم. في الشارع الكبير الذي لا تشغله الطبقات الاجتماعية. العمارة القديمة تلتصق بالكافيه الجديد، والناس تمشي متجاورة، لا ينظر أحد إلى أحد. هذه المنطقة تتسع لكل شيء، وأنا واحدة من أشيائها. وقفت لحظةً. شعرت أن اليوم يُبنى حولي لا بي. ملف المشروع مغلق منذ الثلاثاء. الدفتر الذي نويت أن أكتب فيه شيئًا حقيقيًا ما يزال مفتوحًا على ثلاث جمل، هي أقرب إلى اعتذارات لم تكتمل. في السادسة وسبع وأربعين دقيقة، رنّ الهاتف. الرنّة القديمة التي لم أغيّرها منذ سبع سنوات. أمي. "بسمة، صاحية؟" "صاحية." لم أكذب، لكني لم أقل الحقيقة كلها. "طيب. ما تتأخريش. عارفة الزحمة عاملة إزاي." دقيقتان. أغلقت الخط. شعرت أن الراحة التي كانت في صدري بدأت تنزف بهدوء. حلّ مكانها ثقل يوم لم يبدأ بعد، لكنه مرسوم على أنه انتهى. مددت يدي إلى الهاتف من جديد. لم أبحث عن راحة هذه المرة. بحثت عن تشتيت. والتشتيت، كما تعلمت، هو أخو الراحة الأقل صدقًا. هذه هي الحلقة إذن. أعرفها الآن. هي ببساطة ما أفعل لأهرب من قلق صغير. قلق أن أكون حية. جسد يريد، وعقل يعرف تمامًا ماذا يريد، والفجوة بينهما توجع. للحلقة إيقاع. أعرفه جيدًا. يصل القلق فجأة، أو يتسلل. ضيقٌ في صدري. فراغٌ لا أسميه. المعرفة البطيئة أن هذا اليوم كله نصٌ يقرؤه أحد، بدلاً من أن أكون أنا كاتبته. تمتد يدي. الهاتف. قهوةٌ بردت وسخنت ثم بردت. الأخبار. رسالة لا تهم، أرسلها إلى شخص لن يقرأها. ولخمس دقائق، الحلقة تصمد. القلق يُحبس على مسافة ذراع. أصير شخصًا لا يجلس مع نفسه. وهذا وحده، في تلك اللحظة، راحة. ثم تتلاشى. يضيء الهاتف. تبرد القهوة للمرة الأخيرة. تمتد يدي من جديد. مشيت في هذه الدائرة زمنًا طويلاً. أطول مما أتذكر. صارت الدائرة هي الأرض، وصرت أنا التي تدور. لم أعد أعرف إن كان هذا خيارًا اتخذته ذات يوم ونسيته، أم ترويضًا بطيئًا حدث لي دون أن أنتبه. شيئًا فُعل بي، أم شيئًا تعلمته حتى صار هو أنا. ذات صباح، دون تخطيط، ودون أن أفهم لماذا هذا الصباح بالذات، فعلت شيئًا صغيرًا. شيئًا لا يراه أحد، ولا يغير في العالم شيئًا. لكني، لحظتها، شعرت أني أخون. أخون ماذا؟ لا أعرف. ربما أخون الهاتف. ربما أخون الحلقة. ربما أخون نفسي القديمة، التي كانت تطيع. لم أمد يدي. جلست على حافة السرير. تركت الصمت يتسلل كالهواء البارد من تحت باب قديم. ارتجفت يدي قليلاً. أعرف هذا الرجفان، إنه صوت الجسد حين يُسحب منه شيء تعود عليه. في رأسي صوتان. الأول، الصوت الذي أعرفه، الذي يقول لا دائمًا: "خذيه. دقيقتان فقط. لن يضر." لكن صوتًا آخر، كان خافتًا في البداية، بدأ يتكلم بنبرة مختلفة. ليس جدالاً. ليس تمردًا. مجرد سؤال، بسيط لدرجة أنه بدا سخيفًا: ماذا لو بنينا شيئًا بدلاً من هذا؟ كلمة "بنينا" مسكتني من الداخل. في عملي، في الأفلام التي أحلم بها، أستعمل هذه اللغة. بناء إطار. بناء سرد. بناء شخصية كي تحيا على الشاشة وفي جسد من يشاهد. لكني، في حياتي، لم أكن أبني. كنت أمحو. راحةً تلو الأخرى. يومًا تلو الآخر. نهضت. لم آخذ الهاتف. أخذت الدفتر. شعرت بثقله في يدي، ثقل حقيقي، يختلف عن ثقل اليوم المرسوم. الكافيه الصغير بجانب الحديقة يرحب بالنساء اللواتي يكتبن وحدهن. لا أحد يسأل، لا أحد يطيل النظر. جلست إلى الطاولة قرب النافذة. المدينة تبدأ من حولي، لكن بهدوء. الأذان ارتفع. الأبواق بدأت تخاطب بعضها في تلك المحادثة القاهرية الطويلة، التي لا تنتهي ولا تبدأ. فتحت الدفتر. القلم في يدي غريب، ليس كالهاتف. كتبت الجملة الأولى ببطء، كأني أتعلم الحروف من جديد: هذا الصباح، استيقظت ولم أهرب. جملة صغيرة. لا تحل شيئًا. لا تغير شيئًا. لكنها ليست راحة. الراحة ما تمد يدك إليه، يأخذك دقائق ثم يتركك. أما هذا، فشيء تبنيه أنت. حجرٌ تضعينه فوق حجر. استغرق الأمر ثلاثة وعشرين يومًا. لا أعرف لماذا هذا الرقم بالذات، لكن هذا ما استغرقه جسدي ليصدق أن الشيء الجديد يمكن أن يكون هو الطبيعي. ثلاثة وعشرون صباحًا استيقظت فيها قبل أن يصير الهاتف فكرة. جلست. كتبت أحيانًا، وأحيانًا لم أكتب شيئًا مهمًا، لكني بقيت هناك. قرأت صفحة من كتاب صعب، كتاب لم أكن أظن أني سأفهمه. مشيت إلى الكافيه وجلست. جلست وحسب. وتركت الصمت يأخذ وقته معي، حتى صار فجأة ليس عدوًا، بل حليفًا. فضاءً. أرضًا يمكن أن ينبت فيها شيء. في اليوم الرابع والعشرين، اكتشفت أني نسيت أن أعد. نسيت. وحين تذكرت، شعرت بشيء غريب، شيء يشبه الخفة. الحلقة لم تختف. لا أخدع نفسي. الهاتف ما زال يطن في الثالثة بعد الظهر، حين يكون اليوم أنهكني وعقلي شيئًا رخوًا في جمجمتي. القلق ما زال يصل في موعده. لكني تعلمت شيئًا لم أتوقعه: الحلقة لا تنكسر برفض واحد كبير، ولا بفعل بطولي. تنكسر بمئات الرفضات الصغيرة التي لا يراها أحد. باختيار، مرة بعد مرة، دقائق القلق الخمس على يوم آخر من الطيار الآلي. كتبت في الهامش، بخط صغير، كأنه سر: الحياة التي تعيشينها الآن هي مجموع كل شيء استخدمته للهروب منها. قرأتها مرة. أغلقت الدفتر. شعرت أن شيئًا قد تحرك. لا أعرف أين، ولا كيف، لكنه تحرك. العقل يأخذ الصباح. والباقي، بطريقة ما، يأتي وحده. في الفيلم الذي سأصنعه، يومًا ما، حين أجد الكاميرا والممثلين والضوء المناسب ، الخيانة الصغيرة، أو قبل الصمت، أو أي اسم آخر لحياة تستحق أن تُروى ، سأصور هذه اللحظة كما هي. هادئة جدًا. لا موسيقى. لا انقطاع. مجرد امرأة عند طاولة، تكتب. مجرد صوت قلم على ورق. مجرد المدينة، لا مبالية وحية، تبدأ يومًا آخر. وأنا، أخيرًا، أبدأ معها.