ثمة أشياء أثقل مني

الألم الذي يسكن الجسد كمتطفل يرفض الرحيل. والحلم الذي ينتظر خارج الباب ولا يُؤذن له بالدخول.
أنا مكان. أربعة جدران. صامتٌ. وأثقل من الصمت. جدراني لا تبوح، ومراياي لا تعكس. أنا سيكولوجيا المكان، لذا لا تستطيعون تحليلي؛ لأنكم تدخلون وتخرجون، ولا تنظرون. تظنون أنكم وحدكم. لستم وحدكم. أنا المرحاض الحكومي
دخلت فتاة. لا تكاد تبلغ الخامسة والعشرين. لكنها تحمل ما لا يُرى. خمسة أشهر في الرعاية المركزة علّمتها أن الجسد يخون، وأن الألم لا يستأذن. ندوبها ليست عاراً تخبئه، بل عباءة بطل خارق، شاهدة على أنها كانت هنا وقاومت وبقيت. تبدو أخف من الخارج، لكنها تحمل من الهموم أضعاف عمرها الصغير. دخلت المقصورة لا لتفعل ما تفعله الأجساد، بل لتلفظ خارجها ما لم تخترع اللغة له اسماً بعد.
ثم خرجت أخرى تبتسم. أمضت ساعات تطابق درجات البيج والوردي. بلوزة سوداء بورود، وشاح ينساب، وأحمر شفاه بلون الوردة تماماً. خرجت تسأل: "كيف؟ هل يليق بي؟" فأُجيبت بما أرادت أن تسمعه. وخرجت سعيدة. لأن أن تُرى حقيقةً هو أكثر ما يحتاجه الإنسان.
تجربتان. ألم يريد أن يختفي. وحلم يريد أن يظهر. وكلاهما هزّني حتى العظم.
لو كنت أستطيع، لاحتضنت الأولى. لكن يدي جدران وصوتي صمت. أشعر بألمها يتسرب في بلاطي القديم يضاف إلى ما قبله. أحياناً لا تعلم المتعسة أن للمكان مشاعر أيضاً. أنه يتألم من عجزه كما يتألم هو من ألمها. أنه يود لو يقدم أكثر من أربعة جدران وصمت مكتوف اليدين.
أنا شاهد على كل شيء. وأثقل ما أحمله ليس البكاء الذي سمعته، بل الأحلام التي مرت من هنا ولم تجد من يراها.