لكنها أمي

أمنية أحمد

. 2 د قراءة

وضعت الحقائب عن السير المتحرك، ووقفنا ناظرتين لبعضنا. فُكرت أنها لو كانت امرأة تعرّفت عليها اليوم فقط، لأحضتنها الآن بقوة، وطلبت منها أن تطمئنني عندما تصل إلى وجهتها، لكنها أمي، لذا وقفت قليلًا بقلب حائر وأكتفيت بتربيتة وداع على الكتف، وعلى باب المحطة، تركت تنهيدة راحة تفلت.

قالت إحداهن على انستجرام أنك لست من يظهر في البيت، بل ما يراه الأصدقاء، أو شيئًا من هذا القبيل. فكرت فيها للمرة الأولى بصدق، تقول أمي أني كتومة، لأني لا أخبرها بأخر مستجدات حياتي كما يجب. سيستيقظ أحد أصدقائي على عشرين رسالة على الأقل، عن مشاعري تجاه لحظة عابرة حدثت بالأمس. 

ولو كنتُ قد قابلتُها على أحد المقاهي أو في البيوت التي أرتادها، ولو كانت مجرد معرفة، صديقة أو أقل من الأصدقاء، لربما عرفت عن هذا الموضوع بحلول الآن أكثر بكتير مما تعرف عني بالمجمل، ولكنتُ -في مرة بالتأكيد- لأريح رأسي على كتفها، بدون قلق أو تفكير.

ترى أمي أني كسولة، ومعها حق، لكنني أحيانًا أجد بي رغبةً لا أفهمها -بل وتشعرني بالخيانة أحيانًا - في تنظيف صحون لم أرها من قبل، في منزل أحد الأصدقاء. وقد قضيت يومًا بكامله أقوم بأعمال المنزل -خارج المنزل- فلم أشعر حتى بإجهاد.

أفكر أحيانًا في مستقبلي لو لم أترك يد تلك الأم التي أمسكتها خطئًا في طفولتي فشدت على يدي بدل إفلاتها واستمعت لحديثي ربع ساعة كاملة، أو لم أدفع بعيدًا -لكن برفق- أمهات صديقاتي اللاتي يحضنني على غفلة فيزداد بكائي بدل أن أهدأ.

أفكر في أمي التي حذرتني من السلام باليد على الرجال، قبل أن تعلمني عن الدورة الشهرية -لم تفعل ذلك قط- الآن بعد أن أكتشفت ما كانت تحاول إخفائه،  أن لبعض أصدقائي أحضانَ تقترب من الأمومية في دفئها، وأن قدرتهم على وصف باطن يدي أو أعلى كتفي أكبر من قدرتها بكثير.

أفكر في أمي التي أحببتها حتى وإن لم أفهمها، التي علمتني أن الحب قد يكون أحيانًا صرخة قلقة على الهاتف، أو صفعة مطمئنة لعودة التائه، وأحيانًا يكون صمتًا أبديًا مهلكًا، أو حديثًا مباغتًا صادمًا، أنه أحيانًا يكون إفطارًا غير متوقع، أو كوب من الشاي الدافئ، علمتني أمي الكثير عن هذا الحب، وتعلمت أخيرًا بنفسي كيف أتجنبه.

أمي التي لا تعلم حتى أني أكتب، ولو عرفت لملأها ذلك بالحزن، أو صدقًا لا أعلم. تعلم أني أقرأ لكنها

لن تدرك أنني عندما قرأت لعماد أبو صالح " واكره أمك....حبل الحنان الذي يلتف، كحيَّة، حول رقابنا. القاتلة المحترفة بسلاح الحب. الكيان الهش الذي يسحقنا بضعفه ونرتعب، طول الوقت، من أن نرد أذاه فنكسره" فهمته  ولكني لم أفهم..لماذا اعترضت، ولماذا بكيت.