في يومي الأول من السنة الابتدائية الأولى غضبت المعلمة مني، لأني أتحدث بكثرة مع زميلاتي، وقررت نقلي بجوار الطالبة المنقولة حديثًا والتي لم تشاركنا فترة ما قبل الابتدائية، ظنت المعلمة أن الطفلة الهادئة والخجولة ستجعلني أتوقف، لكن لسنوات وسنوات بعد ذلك اليوم، ظللنا نتحدث كثيرًا ونرهق جميع المعلمات. مرت صداقتنا بكل المراحل التي يمكن أن تمر على صداقة، نتجول بعشوائية في وقت الفسحة، نخترع ألعابًا غريبة تودي بنا إلى مصائب، نتنافس في المذاكرة ونمارس النميمة على كل من نقدر عليه. نتقابل مرة كل يوم، وأحيانًا أكثر من مرة في اليوم، نتبادل الطعام والنكات والعبارات الغاضبة والواجب المدرسي، يقول كل من يرانا أننا أختان، ونضحك، لأننا غير متشابهتين في أي شيء. وبعد أثنتي عشرة سنة من هذا اليوم الذي نقلتني فيه المعلمة قلت لها: "آمال، هدخل علمي رياضة" قُلتها في نص طويل بمثابة اعتذار، واحتجت لتجميع كل الدلائل والأسباب والتلميحات، لم أرغب في أن يكون قراري بداية الفراق، ولكنه كان. لسنة تالية بدأنا طريقين مختلفين، لكن مازلنا نتقابل كل يوم، نضحك أحيانًا، نبكي أحيانًا أخرى ونصرخ من ضغط السنة المفصلية طول الوقت، ونتعاهد في النهاية ورغم كل شيء أن نظل صديقتين للأبد. في أول يوم في الجامعة وحين دخلت "السكشن" الجديد لأول مرة، جلست بخجل في مكان منزوٍ أحاول تجاهل التوتر في الجو، وفهم المعادلات التي تبدو مألوفة لي بلغة أخرى، كانت المادة هي الوحيدة التي لدي فكرة عنها من الثانوية، حللت المسألة الموضوعة على السبورة وشردت في أفكاري حتى سألتني الفتاة بجانبي إن كنت قد حللتها، راجعنا سويًا وتشابهت إجاباتنا وابتسمنا، ثم اكتشفنا أن إجابتنا خاطئة بعد حلها أمامنا، فكرنا بنفس الطريقة وأخطأنا في نفس النقطة وضحكنا. ولفترة طويلة أخرى، تجولنا بعشوائية في وقت الهرب من المحاضرات، قضينا الوقت في مصلى الفتيات، ممدتين على الأرض نتحدث في أي شيء وفي كل شيء، نتنافس في المذاكرة من جديد ونلقي النكات على أساتذتنا المفضلين. تحدثني عن الأنمي المفضل لها، وأحدثها عن أخر كتاب قرأته ونضحك على عبثية العالم وقلت لها ذات يوم: "رقية، هدخل كهربا" قلتها باعتذار أيضًا، عالمة أنني للمرة الثانية، سأبتعد عن شخص جمعني به الزمن، كأنني أعارض القدر أو أسعى إليه، حاولت إقناعي قليلًا بمميزات الميكانيكا، لكنني أقنعتها بدرجاتي المتدنية في مادة الرسم، وأتفقنا من جديد، على ألا نفترق. لكن رغم كل شيء فأنا أخشى الفراق، وتفرق العلاقات، أخشى أن نصل لمكان ثم نحيد عنه لأسفل، سألتني صديقتي الأولى، لماذا تكملين معي الطريق حتى منزلي رغم أن منزلك أقرب؟ وأجبتها أني أحب أن أمضي أكثر وقت ممكن معها ومن يعلم متى سأراكي من جديد؟ سألتني صديقتي الثانية، لما تكملين معي لنهاية خط المترو رغم أن محطتك قد مرت منذ زمن، وأجبتها أنها مسافرة إلى بلدتها البعيدة، ومن يعلم متى سأراكي من جديد؟ وما زلنا نتساءل، ونتعاهد، على أمل أن لا يأتي مفترق طرق أخر، أقرر فيه بنفسي، فراقنا.
٢٠٢٢
طبتِ حيثما حللتِ
المعجبون (1)