يناير - ٢٠٢٢
كان دائمًا جاهزًا، عندما مرِض جده ولزم الفراش، بدأ يهيء نفسه لوفاته، كلما زاره قال في نفسه: يومًا ما لن يكون موجودًا، توقف عن قراءة ما أهداه من الكتب قريبًا ستكون ذكرى على روحه، أمضى سنوات بهذه الحال وعندما بدأ جده بالتحسن، عندما بدأ يُرخي دفاعاته، لاقاه الموت كنوتة عالية مفاجئة ثم ساد الصمت. أقسم أن تلك التجربة لن تتكرر وأنه سيكون جاهزًا المرة القادمة. عندما دخلت امرأة حياته، بدأ يُعد نفسه ليوم رحيلها، سكنا سويًا وكلما خرجت من المنزل بدأ يكرر لنفسه أنها لن تعود. كل "أُحبك" خرجت منها فكر في ألف "ولكن" بعدها ولم يتنهد عندما لم تكمل بل حبس أنفاسه منتظرًا "أُحبك" القادمة. عندما ألقى النظرة الأولى على أطفاله فكر في اليوم الذي سيرحلون فيه، فكر في سيناريوهات كثيرة: هذا قد يسافر خارج البلاد وهذه قد يشغلها تحقيق الأحلام، وقد يموتان قبلي بالطبع. قضى كل لحظة كأنها اللحظة الأخيرة، كان يحب مراقبتهما أثناء اللعب وكلما غابا عن عينيه شعر بقلبه يخفق كأنه لن يراهما مجددًا حتى يرتاح في اللحظة التالية عندما يظهران. نجحت دمعة واحدة في الإفلات من عينيه الجامدتين في زفاف ابنته، عبرت الدمعة آلاف الجدران المبنية بثبات على مدار السنين وتجاوزت كل دفاعاته، لكنه تركها تقديرًا لضعفه الإنساني وحبًا لابنته الصغيرة. لم يتغير هذا إلا عندما رأي أحفاده لأول مرة، شيء بداخله أنار فجأة، كلما نظر إلى وجوههم الصغيرة المفعمة بالحياة شعر كأنهم باقون للأبد، عندما يذهبون يفكر متى سيراهم مجددًا، لم يمر بخاطره لحظة شعور أنهم يومًا سيفترقون، صار ودودًا متفائلًا محبًا، لا تهمه ألعاب الحياة البائسة ولا الفراق المحتوم، كجده تمامًا، كجده تمامًا.
المعجبون (1)