فتاة شوغي… قصة حقيقية

عصام فهمي

. 3 د قراءة

اعتدتُ قضاء العطلات والأعياد مع أسرتي في الريف، حيث يغمرني دائمًا إحساسٌ دافئ بالطمأنينة والحب.


وبالأمس، خرجتُ بصحبة أصدقاء القرية.


جلستُ في المقعد الأمامي بجوار “حلمي”، بينما جلس “أدهم” في الخلف.


كنا في جولة ليلية على طريقٍ خارجي يربط القرية بالمركز والنجوع المحيطة.


كان الطريق هادئًا، تحفّه من الجانبين أراضٍ زراعية ممتدة بلا نهاية، تتخللها أكواخ متفرقة، وتتفرع منه طرق صغيرة وجسور تربط الترعة بالطريق العام.


مررنا بمنطقة تُعرف بسمعة سيئة، يروي عنها الأهالي قصصًا عن حوادث خطف واعتداء، خاصةً أنها شبه مهجورة بعد غروب الشمس.


في تلك اللحظات، كان كل شيء يبدو عاديًا..

حتى ظهرت فتاة في أوائل العشرينات، تقف على جانب الطريق وتلوّح لنا بيديها.


كان في مظهرها ما يثير القلق منذ الوهلة الأولى.

واصلنا السير صامتين، قبل أن يقول “حلمي”:
– إيه دي.. نشوفها.
جاوبته سريعًا:
– وقف كده طيب.
وأضاف “أدهم”:
– ارجع لها.


ثم عدنا إليها بالسيارة ببطء. نظرتُ في المرآة إلى يميني، فرأيتها تقترب منا.


كانت تسير بصعوبة واضحة، تعرج بشكل ملحوظ، وبدا أن إصابة حديثة أصابت قدمها ويدها اليمنى، فيما كانت تخفي بعناية إصابات أخرى لم تسمح لنا برؤيتها.


توجّستُ منها قليلًا ومن هيئتها المريبة.. كانت ترتدي طرحة بيضاء ونظارة شمسية بإطار بلاستيكي أبيض، لا يظهر من ملامحها إلا القليل، بينما بدت حواجبها مرسومة بعناية.


ركبت في المقعد الخلفي بجوار “أدهم”، ثم ساد صمت ثقيل داخل السيارة.


سألها “حلمي” عبر المرآة:
– إنتي رايحة فين؟
أجابت بصوت خافت، كمن لا تريد الإجابة:
– شوغي..

تبادلنا نظرات الاستغراب.

قال:
– شوغي دي في الطريق التاني.. العكس يعني.
وأضاف “أدهم” مؤكدًا المعنى نفسه.

حاولنا فهم وجهتها، فقالت باقتضاب:
– هنزل عند الكوبري اللي جاي.

وكأن التوتر بدأ يتصاعد بلا سبب واضح. بدأت ملامحها تبدو أكثر اضطرابًا. أردتُ أن أطمئنها، فأطفأتُ الإضاءة داخل السيارة.

بدأ الشك يتسلل إلى حديثنا، فسألها “أدهم”:
– إنتي هربانة من إيه؟ إيه حكايتك؟

أجابت سريعًا:
– مش هربانة.. كنت بزور خالتي.. نزلني بس قدام.
– وبعدين؟
– هركب أي حاجة توصلني.
– توصلك فين؟
– عند الملاهي.

لم تكن إجابتها مطمئنة، ولا حالتها العامة كذلك. كان هناك شيء غير متوازن في تصرفاتها، وكأنها تحت تأثير ما.

قال “أدهم”:
– هنوصلك لحد بيتك.

لكنها ضجرت من الأسئلة:
– نزلني هنا.

ارتفعت حدة التوتر داخل السيارة.
– اهدي.. اطمني

قال "حلمي" بثقة:
– متقلقيش والله.. إحنا معاكي..

فجأة، فتحت باب السيارة وهي تكرر:
– نزلني.

تدخلتُ قائلاً:
– مالك يا بنتي؟

التفتت نحو “حلمي”:
– وقف يا عم العربية..

سألتها مجددًا:
– عايزة تنزلي هنا؟

لم تجب، وأغلقت باب السيارة.

– إنتي عارفة طريق الكوبري صح؟
– أيوه.
– طيب مش هو ده.
– أيوه.
– هتنزلي هناك أول ما نوصل.


وصلنا إلى الكوبري، ونزلت الفتاة.


لاحظتُ إصابتها مجددًا، وعرضتُ عليها المساعدة أو توصيلها إلى مستشفى، خاصة أن المنطقة شبه خالية إلا من أضواء متباعدة.


سارت قليلًا ثم عبرت الكوبري، وبدت وكأنها تبتعد في صمت.


لم نعد نفكر في وجهتنا..


تقدمنا بالسيارة قليلًا، ثم قطع "حلمي" الشارع، وتحركنا عائدين إلى القرية، وما زالت بيننا دهشة لم نجد لها تفسيرًا.


وعند اقترابنا من الكوبري، رأيناها فجأة تركض في الاتجاه المقابل.


رأيتها بوضوح لا يُنكر.. لم أفهم شيئًا.. انتفضتُ مشيرًا لهم.


توقف “حلمي” على الفور.


ثم تقدمنا، لكن… لم يكن هناك أي أثر لها.


لك أن تتخيل ألف قصة.. وللواقع الحق أن يكون فجًّا كما تعودنا.

مقالات ذات صلة

المزيد من عصام فهمي