اقتربت الساعة العاشرة مساءً، الموعد اليومي للخروج من المنزل لملاقاة الأصدقاء على المقهى، الجو اليوم منعش على عكس الأسبوع الماضي. أسمع صوت النسيم يحرك بقايا الزينة التي علّقها الأطفال مطلع رمضان الماضي.
أقوم لأرتدي ثيابي، وبالي مشغول بسهرة اليوم — الحشيش الذي اشتريته قبل يومين انتهى، ولا أعرف إن كان مع يوسف أو عمار شيء.
خرجت من المنزل وكان الجو أحسن من توقعاتي، فقررت السير إلى المقهى عن طريق الكورنيش. كنت أُمنّي نفسي بوجود حشيش مع أيّ منهم، إذ ليس من المعقول أن تمر الليلة بدون اصطباحة. نحن على هذه الحال منذ ما يزيد عن عامين، كل يوم ننهي سهرتنا على المقهى ، ونقوم ثلاثتنا إلى مكاننا السري على الكورنيش، نلفّ السيجارتين، ندخنهم، نضحك، نضحك كثيراً، ننسى همومنا، ونفترق كلٌ إلى منزله. والأيام القليلة التي تمرّ بدون حشيش كانت تصيبني بإكتئاب أظنّ أني لن أنجو منه. فكرت في الإقلاع عنه، لكن مع كل محاولة كنت أعود إليه بشوقٍ أقوى، لقد أصبحت أحتمل الحياة من أجل هذه السهرة كل ليلة.
وصلت إلى المقهى فوجدت عمار جالساً بمفرده.
-مساء الخير يا عمار.
-مرحبا يا كريم.
-لماذا تجلس وحيداً، أين يوسف وباقي الشباب؟
-يوسف يقضي بعض المشاوير لوالده، ولم أتصل بالباقي.
فابتسمت وقلت:
-هذا أفضل ، ننتظر يوسف ونقوم إلى مكاننا السري قبل ان يأتي أحد وتضيع علينا السهرة .
كنت أنتظر أن يقول شيئاً عن الحشيش لكنه سكت. فطلبت كوب شاي، وسألته إن كان يريد شيئاً، فطلب حجر معسّل. غاب عامل المقهى، وعاد بعد خمس دقائق وضع الشاي أمامي والشيشة أمام عمار.
-ألم يخبرك يوسف متى سيأتي بالضبط؟
-قال إن أباه طلب منه قضاء بعض المشاوير، وأنه سيأتي فور انتهائه.
كان يبدو عليه بعض الضيق فسألته:
-ماذا بك؟
-ماذا بي ؟
-أشعر أنك لست بخير، فلا تتكلم كعادتك، أحدث شيء؟
-لا شيء جديد، فقط أفكر في حالنا هذا، وإلى متى سنظل هكذا.
-وما الذي لا يعجبك؟
-هل سنظل مدمنين حشيش؟ كل يوم نتقابل من اجل السجارتين.
-وماذا تريدنا أن نفعل، هل تعتقد أن حياتنا هذه ستتحسن لو أقلعنا عنه؟
-لا أعلم، لكن لماذا لا نجرّب؟ لماذا لا نتحمل كباقي أصدقائنا؟ محمود، أشرف — لا أحد منهم يُحشّش، و نحن نخشى أن نخبرهم بما نفعل، ونكتفي بتجمعنا سراً خوفاً من نظرتهم إلينا.
سكتُّ ولم أستطع الردّ. لم يسترسل عمار أكثر من ذلك، وبعد ثوانٍ وجدته يقوم ويخبرني أنه سيذهب إلى منزله ولن يسهر معنا الليلة.
جلست وحيداً أنتظر يوسف، وأفكّر في ما قاله عمار، مررت بهذه الحالة من قبل، لكن أن تسمع هذا الكلام بهذه النبرة الغاضبة — وقعه مختلف عن مجرد التفكير. ربما هو محق؛ بمثل هذه الحالة سنظل هكذا ما بقينا، لا مستقبل ننظر إليه ولا حاضر نعلم ما يدور فيه، ولا …
قاطع حبل أفكاري صوت يوسف:
-مساء الفل على عيونك.
-مساء الفل.
-أين عمار؟ أخبرني أنه هنا.
-عاد إلى منزله، أخبرني أنه لن يسهر الليلة.
-أحدث شيء؟ أم أخبرك أنه يريد الإقلاع؟
-نعم، أخبرني وجلست أفكّر في ما قال، ربما..
قاطعني قبل أن أنهي كلامي:
-لا أريد أن أسمع هذا الكلام، اليوم معي حشيشة لم ندخّن مثلها من قبل — أفغاني أصلي. كنت أحضرتها له كمفاجأة حتى ينسى هذا الكلام .
ضحكت بشدة، وشعرت أن القدر قد أجاب عنّي في اللحظة.
-معك حق ، الحشيش الأفغاني كان سينسيه كل أفكاره .
-نصيبه ، اختار أن يذهب وأصبحت هذه من نصيبنا نحن. فهي بنا حتى نبدأ السهرة من بدري.
وقمت مع يوسف ونسيت نفسي وهمومي لمجرد ذكره أن الحشيشة أفغاني .