هل تستحق غرفتك الجديدة؟!

محمد عبد العاطي الوكيل

. 3 د قراءة

تيجي نتخيل؟ إيه رأيك؟ تعالَ:

تخيَّل إنك قررت تستقل بذاتك، فنقلت إقامتك الرئيسية لغرفة واسعة نسبيًا، أو نقول "استوديو"، وقررت إنك تاخد راحتك جدًا في تجهيزها وفرشها على راحة دماغك: اشتريت مكتب جديد سطحه واسع، خصصت نصفه للكتابة وأوراقك وأدواتك المكتبية، ونصفه التاني لجهاز PC احترافي أو لابتوب قوي مناسب لشغلك وحياتك شبه الاجتماعية على النت..

جزء تاني من الاستوديو خصصته لمكتبة خشب بسيطة لكن شيك وتستوعب كتبك الكتير جدًا اللي هي حصيلة سنين من القراءة والبحث وعصارة الأفكار؛ رفوف للروايات والقصص القصيرة وكتب الفلسفة والتاريخ والسياسة والاجتماع والأديان، ورفّ لـcollection الكوميكس والمجلات القديمة من التسعينات والتمانينات وما قبل ذلك، ورفّ لإنتاجك الأدبي الخاص بيك، منبع فخرك وثمرة جهودك وتمقيق عينيك، وممكن رفّ لشوية تحف صغيرة وذكريات لطيفة.. ولو إنت بتحب نماذج الشخصيات المصغَّرة figures أو ما شابهها من اللَّعَب، ممكن تخصص لها دولاب زجاجي صغير تستعرض فيه المجموعة العظيمة بتاعتك.

ركن كده لوحده للترفيه البصري، شاشة متوسطة متوصل بيها TV Stick أو Chromecast، وجهاز نينتندو أو بلاي ستيشن أحدث فيرجن، وتحتها تلاجة صغيرة للمتع الغذائية الآثمة من شوكولاتات ومياه غازية وعصاير وسندوتشات باردة وسناكس، في انتهاك صارخ لقواعد الدايت اللي بتحاول تلتزم بيها بقالك شهور.. وقدام كل ده Lazy Boy مريح ولطيف تقدر تغرق فيه في النوم لو سهرة المشاهدة طوِّلت.. بالإضافة طبعًا لسرير ودولاب ومستلزمات المعيشة الأخرى مما خفّ حمله وزادت أهميته.

صرفت في كل ده دمَّ قلبك وشهور من شغلك، ومحتويات الغرفة دي كلها من "لحم دماغك"، هي حياتك الخاصة الصغيرة الكبيرة في نفس الوقت.. لكن بتيجي في يومٍ ما وإنت قربت تخلص تجهيزات، تترمي على سريرك، ونَفْسَك تسألك أغرب سؤال:

هل أنا أستحقّ كل ده...؟

سؤال غريب، صح؟ خليني بقى أقولك معلومة بسيطة: الغرفة الجميلة اللي تخيلناها سوا دي هي "دماغك".. أيوة، دماغك إنت. محتوياتها هي حصيلة معارفك وخبرتك وتجاربك وهواياتك وقراءاتك وإنتاجك، وشغلك ومجهودك، وملاذك الآمن لما ترجع من معركة الحياة آخر اليوم، هي مساحتك الخاصة، مصنع أفكارك وحاضرك ومستقبلك، ومستودع ماضيك..


خليني بقى أعيد لك السؤال: هل إنت تستحق دماغك دي؟ نفسك دي؟ تستحق ذاتك الحالية وتستحق كل اللي وصلت له في حياتك لحد الآن؟

والإجابة قولًا واحدًا:

أيوة تستحق!

تستحق ونص وتلات أرباع، تستحق ألف ألف مرة!

إنت قطعًا تعبت، وصرفت من مالك ووقتك وجهدك الذهني والجسدي كتير أوي عشان توصل للمرحلة دي، وتوصل لنضج الشخصية ده، وتكبَّر تفكيرك وشخصيتك وقدراتك وتحقق ولو شوية من أحلامك القديمة، وتبني حياتك زي ما بتتمنى إنك تبنيها.. ومكافأتك المباشرة على كل ده هي دماغك الجميلة دي. تستحق إنك تتمتع بمكافأتك يا صديق 😊

نيجي بقى لتاني أهم سؤال: هل لو "جارك في العمارة" – ومشيها جارك - كسر عليك الباب فجأة وقرر يخزِّن عندك كراكيبه عشان مهاجر ومش راجع وقرر يورثها لك عافية كده، هل كنت هتسمح إنها تزاحمك في الاستوديو بتاعك وتكدَّر حياتك وتسبب لك التلوث البصري اللي تتوقعه؟ والإجابة بالتالي وقطعًا: لأ! ولأ كبيرة جدًا!

يبقى ليه تسمح لحاجة تقتحم خلوتك وتلوث نسيج دماغك بحاجة مش منه؟ ليه ما تحاولش تفلتر الinput بتاع دماغك طول الوقت؟ إنت واحد عارف قيمة دماغك كويس، فليه ترخَّص منها وتحوِّلها لمقلب لأفكار غيرك ومعتقداتهم وتطلعاتهم، بل وأحلامهم اللي عجزوا عنها وقرروا يحققوها فيك إنت؟ صحيح إن من الصحِّي ليك تفتح شبابيك عقلك وتسمح فيه بتيارات هواء جديدة، عشان ينمو، لكن ليه تغذِّي عقلك بالغُثاء طلبًا لرضا "الجيران" وإرضاءً لتوقعاتهم الساذجة؟ وهل متوقِّع إنها كده هتبقى "دماغك" فعلًا مش مسخ عديم الهوية؟


يا صديقي ويا أنا: إنت تستحق ثمرة شجرتك اللي زرعتها سنين طويلة، فأرجوك: ما ترويش الشجرة بمياه مجاري.


والسلام ختام.