عينين

تسنيم

. 3 د قراءة

قضيت قطاعاً لا بأس به من حياتي أهرب من هاتين العينين: عيني الملاك الساقط. غاضبتان، متمردتان، مقاومتان. ألأني أترفّع؟ بل لأني عشت أغلب حياتي أرى بهما. منذ صغري وحتى أوائل عشرينياتي، رأى الجميع فيّ تلكما العينين، واستطاعوا تمييزهما بدقة، انهما عيني الشيطان! تحملان شؤم، الكثير من الجدل، والكثير من طيش الشباب. قضى والديّ حياتهما يقنعانني أني أحمل عيني الشيطان، ويتوسلان لي لأتحرك تجاه النور. والمدهش أني، وسط فوضى المراهقة، اثناء استماعي لموسيقى "لنكن بارك" ووضع طلاء أظافر أسود، كنت قد اقتنعت حقاً أني لابد أن أكون من نسل الشيطان. كنت أرتجف حينما يسألني أحدهم إن كنت شخصاً جيد، كنت أعتقد في قرارة نفسي أني هاوية في الجحيم لا محالة: فقط لامتلاكي هاتين العينين. عند وفاة أمي، أغلقت باب غرفتي على نفسي، وخضت حرباً دموية ضد ذلك الشيطان. ظفرت بفوز كاسح، وألقيت جثة المتمرد من الجرف، لأتخلص مرة وإلى الأبد، من تلك العينين. لمَ قتلت العينين؟ لأنهما بالتأكيد أرهقتا الأم الواهنة، لأنهما سرقتا الكثير من تلك الروح المعذبة. لم تستحق العينين الحياة تماماً كما لم تستحق الأم الموت. وخلال رحلتي في الحياة، دون العينين، تغلغلت كل الكيانات داخلي. الجسد الذي قتل المقاومة للأبد، سمح لللبلاب السام ان ينمو بين أضلعه. أصبحت "الملاك"، ابنة مطيعة وزوجة وفية. وأيضاً وعاء لطموحات وخيالات الناس، الرقيقة اللطيفة، والمنحلة المنحرفة. فمثلاً، تم ارغامي على قطع علاقتي بصديقة لأنها كانت تمر بأزمة نفسية، ولو أني كنت معها وقتها، لربما كان حالها أفضل اليوم. كل يوم أضع فيه رأسي على وسادتي، أفكر بها، ولكني قد فقأت العينين بالفعل، فأشرد في التفكير دون أن أفعل. جسدي، روحي، قلبي، ومصيري بالكامل ليسوا ملكي، ملك أي أحد، كل أحد، عداي! تراكم على كاهلي الخير الذي سببه من حولي من خلالي والشر على حد سواء. بل أني استيقظت يوماً، نظرت إلى نفسي في المرآة، ورأيت الشيطان ذاته بعينين مفقوأتين! استولى الشر كله على كياني، وأصبحت ذنوبي أكبر وأثقل، وذات معنً أكبر، في حقي وحق غيري. ولن يحمل تلك الذنوب أحد غيري! من تصرف خلالي سيقول، هي من فعلت. من تأذى بسبب فعلة أقدم عليها أحد من خلالي سيقول، هي من فعلت! "الساكت عن الحق شيطان أخرس"! بل وأنه قد فقأ عينيه بنفسه! أنظر في المرآة إلى المسخ الذي غدوته، كيف يمكن أن أقول عن نفسي شخصاً جيداً يوماً؟ عندما كنت أملك العينين، أرهقت الأم، وعندما فقدتهما، سكت عن أهوال والكوارث أصابت من حولي! شخت بنظري بعيداً، وادعيت أن لا إرادة لي، لم اساعد أحد وصمت، صمت صمتاً ربما هو وحده كان كفيلاً لأخلد في أدنى طبقات الجحيم! "أنا، بعدم الفعل لا بالفعل، خسرت." – دانتي عندما أفكر في ساعة موتي، أتخيل اللبلاب السام حول حلقي، يخنقني حتى ألفظ روحي. حينها سأذهب إلى "عتبة المطهر"، مع المحايدين، وسنندب فقأنا للعينين. كنت أظن دوماً أن عدم الفعل يحميني من الخطأ وحذو خطى الشيطان، ولكنه كان من أخبث أعماله. أنظر إلى السماء وأبكي، كيف أُكفّر عن ذنبي؟ كيف أُعيد الصديقة التي مرت بأزمة لسابق عهدها قبل أن تتغير تماماً إلى الأبد؟ كيف أعتذر لجسدي الذي انتقمت منه باللبلاب؟ كل مرة أسلك سبيلاً في حياتي، أجدني أتجه نحو الملاك الساقط. كل مرة، أهرب فيها من التفاحة، أجد آثارها في فمي. أتقبل الجنة من هم أمثالي يوماً؟

مقالات ذات صلة

المزيد من تسنيم