قبل أن أشتري نظارة شمسية

تسنيم

. 3 د قراءة

يعتقد الجميع أن لا أحد يعلم أفكارهم. أن مشاعرهم وخوالجهم في قبو وحدهم من يحمل مفتاحه. يعتقد الجميع أنهم ببضع كلمات وبأعذار محترفة يمكنهم تزيف الوقائع وخلطها، وأن الحقيقة يمكن أن تضيع إلى الأبد.
كنت في وقت ما من أولئك الناس الذين يعتقدون أن الإنسان ثنائي البعد: ذو عقل ولسان. حتى احتككت بقرب بجوانب مجنونة. سرية وغامضة. والآن أنا عاجزة عن عدّ الأبعاد! واكتشفت بوابة لعالم الإنسان الداخلي، تتحدث لغة نفهمها جميعاً لكن لا يمكننا حصرها في قواعد. يتسرب منها ما يمسك به الإنسان بقوة. سيبدو الأمر بديهياً للبعض، فيما سيبدو مستحيل التصديق لمن يعتمد على العقل المحض. تلك البوابة السحرية هي العيون.
في الواقع، الأمر بدائيّ حد السخف، فحتى الحيوانات تعلم تلك البوابة ويستعملونها لنقل الرسائل لبعض وقراءتها أيضاً. لكن يبدو أني كنت إنسانة في مرحلة أكثر بدائية، حتى نظرت إليّ قطة نظرة امتنان ممزوج بحزن. ولجت من البوابة إلى عالم آخر. حياة داخلية كاملة أخرى. وحين نظرت بعيداً عدت مرة أخرى إلى جسدي، في رهبة وذهول. ومن هنا بدأت رحلتي في التجول في عوالم الناس.
كان الأمر في البداية مغامرة جميلة. بفضول وحماسة غصت في عوالم الناس، كهواية، كقراءة كتاب أو مشاهدة فيلم. وطورت من شكل رحلاتي لأتجول بشكل أعمق في جوفهم، لأن العيون رغم صدقها، فهي لا تقول كل شيء، فبتّ أسأل الاسئلة وأنظر إلى العينين، ويرتسم حينها خارطة الشخص كاملة أمامي.
حتى وقفت أمام هذه اللوحة:

ماذا أقول؟ تلك البوابة فتحت أمامي عالم مظلم. أن يترائى أمام الشخص قبحه، جلل فعله، عظم ما خسره، واستحالة محو الخطأ. الوصم الأبديّ للذات، الجريمة التي لن يمحوها عقاب. والذنب الذي وشم الهوية.
رجعت من الرحلة أرتجف، بعض العوالم وضاءة وبعضها مظلم. أيجب أن أكفّ عن زيارة عوالم الآخرين؟
يوماً، قلت لزوجي السابق أني راحلة، وكان يترجى بقائي. كنت واقفة بالحمام أغسل يداي، فيما وقف خارجاً، أمامي. وحين سمع مني الرفض القاطع للبقاء نظر لي نظرة ارتعش لها كياني كله: أريد أن تبقي للأبد حتى لو عنى ذلك أن أقتلك بيداي. تسمرت، من هول ما رأيت، ثم تحرك خارج المنزل. حين نظرت أمامي إلى المرآة رأيت حاجبين مذعورين، عينان ترتجفان من الخوف والصدمة. تلك الفتاة الشجاعة، دائمة البحث عن الحقيقة، المحبة للتعلم، تريد أن تنكمش وتختفي. تريد الهروب. تريد أن تنكر ما رأته. ورغم خبرتي التي أفخر بها في قراءة العيون كذبت مزاعم قراءتي هذه المرة، وقلت أنه يستحيل أن توجد أماكن إنسانية حالكة السواد هكذا.
في اليوم التالي، كان نائماً على الفراش جانبي، أخفى عيناه، ثم قال لي: "يجب أن ترحلي فأنا خطر عليكِ".
تحطم عالمي كله. ما رأيته كان صواباً، لكني لم أتجرأ أن أسأل للأبد، عن النظرة، عن الجملة، عن ذلك العالم.
تملكني الذعر للأبد، لدرجة أني حين أحدّث الناس أهرب من النظر في أعينهم. لا أريد أن أعلم! لا أريد أن أفهم. لا أريد أن أرى كيف تسكن الأشباح المخيفة البيوت المهجورة. ولا أريد أن أنظر إلى عينيّ المذعورتين مرة أخرى.
وفي النهاية، قررت أن أشتري نظارة شمسية.


مقالات ذات صلة

المزيد من تسنيم