منذ أن كنتُ في بطن أمي، منذ أكثر من ثلاثة عقود ، كان وما زال أخي التوأم هو رفيق الرحلة الدائم
.
رغم أنه النسخة المختلفة مني في كل شيء، إلا أنه أكثر من يفهمني، ويتوقع ردود أفعالي وكذلك أنا ، وكأن بيننا اتفاقًا غير مكتوب على تلك الدرجة المثالية من التفاهم و التوقع . وأظن أن هكذا يجب أن تكون علاقة التوأم.
منذ الحضانة كنا معًا، نفس المدرسة باختلاف مراحلها، حتى الكلية… كلية الهندسة، في نفس الجامعة.
كنا نكمل بعضنا في الثانوية العامة
أنا بطبعي أعشق اللغة العربية، والتاريخ، والاقتصاد، وعلم النفس، وكل ما له علاقة بالمواد الأدبية.
وهو يعشق الرياضيات، والفيزياء، وكل ما هو علمي بلا استثناء , هكذا ندعم بعضنا البعض.
أذاكر له كل ما هو أدبي و هو العكس , هكذا اجتازنا سنوات دراستنا كلها بهذا الأسلوب !
قبل تطبيق نظام الثانوية العامة الجديد، كانت الثانوية سنتين، وبمجموع السنتين يتحدد المصير المنتظر : الكلية.
حصلت أنا على 95.7
وحصل أخي على 95.8
هكذا يكون مفهوم التوأم
أتذكر جيدًا حجم الضغط الهائل الذي كنا نعيشه فى تلك الفترة ، ضغط لا يشبهه شيء
أعين مفتوحة تعنى بشكل ضمنى أنك تذاكر شىء ما ، فقط لنحصل على “المجموع” الذي يسمح لنا بدخول كلية القمة، كلية المستقبل… الهندسة.
كان أبي مهندسًا ميكانيكيًا، وكان يريد أبناءه التوأم مهندسين.
لا أظن أنني امتلكت وقتها رفاهية السؤال:
ماذا أريد؟
ما الذي يناسب شخصيتي؟
أي كلية تشبهني فعلًا؟
الهندسة كانت الإجابة الوحيدة.
كانت تُقدم لنا كسفينة نوح:
إما أن نركبها، أو نغرق.
إما الهندسة، أو ضياع المستقبل للأبد.
وقد كان.
تخرجنا بعد معاناة طويلةوسقوط متكرر ، ثم شاءت الأقدار أن يعمل كلٌّ منا في مسار لا يمت للهندسة بصلة.
وأن يكون كل ما تعلمناه بعد الجامعة هو ما قادنا فعليًا إلى مسيرتنا المهنية الحقيقية.
بعد التخرج، دار بيني وبين أخي التوأم حوار سريع:
هل كانت تستحق كل تلك المعاناة؟
لماذا سلكنا هذا الطريق من البداية، لننتهي في طريق آخر؟
هل لم يكن لنا حق الاختيار؟
أم إنها تلك الكلمة السحرية القادرة على تبرير أي شيء
(القدر)
وهنا فقط بدأ السؤال الحقيقي يلحّ عليّ:
هل كانت الهندسة وحدها هي سفينة نوح؟ لو لم أدخلها لن أستطيع أن أنجح فى حياتى مرة أخرى ؟
هل كان هناك قارب نجاة واحدًا فقط ؟
جميعنا يعلم قصة نوح عليه السلام، وكيف أمره المولى عز وجل ببناء السفينة، حتى نفّذ أمر الله وبدأ الطوفان في الأرض.
ولكن كيف كانت الحياة بعد الطوفان؟
من روايات دينية وفلسفية مختلفة، حيث جاء الطوفان بزمن غير الزمان، طغى البشر في الدنيا وأفسدوا فيها، ثم جاء الطوفان، ولم ينجُ أحد، تبدلت الأرض وتغير التاريخ، فكل من كان قبل الطوفان شيء، وما صار بعده شيء آخر.
في الروايات الدينية، كان طوفان نوح حدثًا كونيًا غامرًا غيّر وجه الأرض كما كان معروفًا آنذاك. بعد انتهاء الطوفان وانحسار المياه:
استقرت الأرض من جديد بعد اضطراب هائل،
انكشفت اليابسة، وبدأت الحياة من نقطة Factory Reset ،
نزل نوح ومن معه ليكونوا بداية عمرانية وأخلاقية جديدة للبشر،
يقول المولى عز وجل في سورة هود:
﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾
ورُوي أن نوحًا عليه السلام بعث الغراب ليأتيه بخبر الأرض، فوقع على جيفة فلم يرجع، فبعث الحمامة فجاءت بورق زيتون في منقارها، ولطخت رجليها بالطين.
فرسا نوح بعد أن ركب السفينة في العاشر من رجب، وجرت بهم السفينة حتى العاشر من محرم ستة أشهر كاملة، وهبطوا يوم عاشوراء، فصام نوح ذلك اليوم، وأمر جميع من معه بالصوم شكرًا لله عز وجل.
﴿وَكَمَا كَانَتْ أَيَّامُ نُوحٍ، كَذَٰلِكَ يَكُونُ أَيْضًا مَجِيءُ ابْنِ الْإِنْسَانِ﴾
في الإنجيل، لم يكن السؤال: كيف بدت الأرض بعد الطوفان؟
بل: لماذا نجا الإنسان… وحتى مع النجاة ظل محتاجًا للخلاص؟
أي أننا سنصل إلى مرحلة ما قبل الطوفان مرة أخرى، حتى تأتي النهاية و يعود المسيح الى الأرض مرة اخرى .
رواية التوراة تذهب أبعد في وصف التحول.
التوراة لا تتعامل مع النجاة كنهاية سعيدة، بل كبداية عالم أشد وأقسى وأكثر مسئولية :
«مدة كل أيام الأرض: زرع وحصاد، وبرد وحر، وصيف وشتاء»،
«كل دابة حيّة تكون لكم طعامًا».
رغم اختلاف الروايات الدينية والفلسفية، واختلاف تأويل الطوفان بين عقابٍ إلهي أو رمز أخلاقي، اتفق الجميع على حقيقة واحدة:
لم ينج أحد من الطوفان إلا من ركب السفينة.
لم تكن النجاة رأيًا، ولا تجربة شخصية قابلة للنقاش، بل أمر واقع و شرط قاسي للنجاة : الداخل ينجو، والخارج يغرق.
ربما لهذا السبب، كل من ركب سفينة يومًا، يتحول دون أن يشعر إلى ناجى ناصح. نعم انا الناجى وما بعدى الطوفان !
يتخذ الإنسان دائمًا وضع الناصح بمجرد شعوره أنه في موضعٍ أفضل من الآخرين.
سترى المسافر يلتفت إلى من بقي فى البلد ، لا ليسأله عن أحواله ، بل ليقول له: لماذا لا تسافر؟ الحياة أجمل بعد السفر… يفوتك عالم كامل وأنت لا تدري. لماذا لا تبدأ خطوات السفر اليوم ؟!
وسترى من ألتحق بوظيفة في شركة عالمية يحدثك عن كيف تغيّرت حياته، وكيف أصبح كل شيء أكثر بريقا منذ تلك اللحظة.
و أن الشركة قررت ان تأخذنا فى Team Bulding لمدة ثلاثة أيام فى الجونة , هكذا هى شركات اليوم !
وستسمع من يخبرك بثقة: لو حسّنت بروفايل لينكدان الخاص بك يا صديقي، ستنهال عليك الوظائف فورًا، فقط أعد تشكيله مرة أخرى.
لماذا لا تتعلم الألمانية؟ ألم تسمع أنهم بحلول 2028 سيحتاجون إلى أكثر من عشرة ملايين مهاجر؟
وكأن اللغة قارب، ومن لا يصعد الآن… سيغرق لاحقًا.
فقط ثلاثة أشهر، وستتعلم مجال تحليل البيانات، وستنهال عليك عروض العمل بالعملات الأجنبية . هل تعرف ان الراتب المبدئى لتلك الوظيفة يتعدى الألف دولار ! فقط تعلم دبلومة الثلاث أشهر فى كورسيرا فى مجال تحليل البيانات وستختلف حياتك !
وفي لحظة ما وقفت وسألت نفسى ؟
هل فاتتني الحياة فعلًا لأنني لم أشرب قهوتي الصباحية من كافيه 929، وبالأخص فرع الكوربة؟
من فرط القوالب المجتمعية في مجتمعنا، يبدو الطريق واحدًا، والاختيار مستبعدًا، وكأن من لم يركب السفينة المحددة له قد اختار الغرق فقط.
لكن، هل كل الطرق تناسب كل الناس؟
أدرك أن وضع خطة وتطوير الذات قد يكونان سبيلًا للنجاة في هذا المجتمع الضاغط، لكن هل يجب أن أسلك الطريق ذاته الذي يسلكه الجميع؟
هل يوجد طريق آخر؟
وهل هذا الطريق يشبهني فعلًا… أم أنني أسير فيه فقط لأن غيري سبقني إليه؟ هل روْية الثلج فى ستورى لصديقى المهاجر لكندا كافية لتدفعنى لبدء خطة الهجرة لكندا ؟ وتعليم اللغة الفرنسية فى ستة أشهر ؟
هذه القوالب المجتمعية دفعتني إلى تجربة أغلب تلك الطرق.
لا أخفيكم سرًا: فشلت في معظمها، ونجحت في القليل منها
لكن بعد قدر من التفكير ، وكثير من التضحيات، أعود لأطرح السؤال الأصعب:
هل كان كل ذلك يستحق؟
هل هذا ما أريده حقًا؟
لا أحد يشعر بما نشعر به حقًا، حتى أقرب الناس إلينا.
لا أحد يستطيع أن يفهم كيف نحب شيئًا دون آخر، كيف نكره، كيف نتحمل، وكيف نفكّر في الأشياء بالطريقة التي نفعلها.
لا أحد يعرف كيف مررنا بكل تلك الضغوط وحدنا، ولا كيف خرجنا منها كما نحن الآن
لست في موضع الناصح، ولا أضع نفسي حكيمًا على أحد ولكنني أؤمن أن النجاة، حين تتحول إلى وصفة جاهزة، تفقد معناها.
ربما لا ننجو لأننا لم نركب سفينة نوح، بل لأننا صدّقنا أن النجاة لا تكون إلا فيها.
قليل من التفكير، وربما كثيرٌ من الصدق والوعي مع النفس ، قد يكشف أن هناك مسارات أخرى… ليست كسفينة نوح.