صيانة دورية

جهاد إدريس

. 2 د قراءة

(1) ها هي الحضارة تنهد وتحاول إعادة بناء نفسها من جديد كما تفعل في كل صباح، مرتبكة، متظاهرة بأنه لم يحدث شيء. أنا أيضاً أستمر في إعادة بناء نفسي من جديد، أحتاج صيانة دورية؛ كلما خيّل لي أني فرغت منها وجدت صنبوراً يطير منفجراً منه المياه، أو حائطاً يتقشر، أو رجلاً خشبية تتخلخل، أو عطلاً في الكهرباء -وذاك كثيراً ما يحدث- فأضطر إلى ممارسة حياتي في الظلام حتى أنسى أن النور أبسط حقوق عيني. لكن يحدث أن ترن في عقلي فكرة النور فأقوم وأبحث عنه، أتابع خيطاً رفيعاً منه، حيث لا يكون النور إلا إدراكاً بأن مطلق الظلام حتمي، لكن رقعة النور المقيدة يمكنها أن تتوسع شيئاً فشيئاً. يُتعب عيني قليلاً، يصيبني بصداع مزمن، فتدفق النور ليس شيئاً وردياً كما يتم تصويره، أقول: لمَ جررْتُ نفسي إلى كل ذلك! لكن أستمر لأني لا أعرف طريقً آخر. (2) أفتح بطني ممسكة بكشاف صغير في يدي وأدخل برأسي في فضول يفرمله الخوف، أبحث عن الخير والشر معتقدة أنهما جهازان مستقران، ربما قدرت على تصنيف نفسي من مقارنة حجم كل جهاز، لكنها مجموعة من الأبخرة المتجددة في إفرازها فلا سبيل لحبسهما في الزمن ثم قياسهما. ربما عليّ أن أتوقف عن الهوس المتوارث بقياس كل شيء وألا أركن لكسل التصنيف. في المسيحية يولد الإنسان يحمل خطيئته على صدره ويعيش حياته يحاول التكفير عنها كي يستحق أن تشمله رحمة الذي لا تنفذ رحمته، أنا أيضاً حبيسة خطيئة لكنها مستقبلية لا ماضية. أحملها من قبل ارتكابها فأحاول تطهير نفسي من احتماليتها. (3) مما يزيد الأمر تعقيداً أنني أفعل ذلك كله على خلفية عمل شاق غير آمن وظروف صعبة وغير مستقرة، مما يجعل التفكير في كل ذلك ترفاً. بل إن التفكير في ذاته ترف، إذ أنه عمل من لا عمل له، عمل من هو بطنه مملوءة ويومه فارغ، وقد كان يوماً حق مغرق في بداهيته حتى سُلب على غفلة فسُلبت معه شطر كبير من الإرادة الإنسانية.