طريقة لعلاج الحنين والأسى وآلام الظهر

محمد عبد الرازق

. 5 د قراءة

أقضي ساعات طويلة منكفئا أثناء العمل. أدقق النظر في نقاط متناهية الصغر، وتشوهات لا تكاد ترى، لكنها تسبب ألما قاتلا يخرج الحياة عن مسيرتها الطبيعية. أحاول التلاعب مع الألم بمسكناته وقاتليه، وأحاول مراوغة وقت العمل الطويل بالاستماع إلى تراكات موسيقية طويلة تتخطى العشرين دقيقة. تدغدغني الموسيقى بينما يغزو صوت النخر أذني، وتتصدع معه خلايا مخي. يصيبني الانكفاء الطويل بالإرهاق، وأحيانا عندما ارفع رأسي من الأفواه المهدمة، أصاب بدوار لحظي، كأنني لا أعرف من أنا، وعندما ينظر الناس في المرايا ويبتسمون بثقة كبيرة، احاول أن أتمالك نفسي، و أدافع رغبة غريبة في الهرب، كأنني محبوس في قمقم لا خلاص منه. 

تصيبني ساعات العمل بغربة ما، لا أستطيع تعريفها بدقة، لكنها تتزايد مع دخول الشتاء، وتزايد الغمام في السماء، خاصة عندما أدخل إلى حجرة العمل وفي الدنيا بصيص من "نور ربنا"، ثم أخرج بعدما ترحل الشمس إلى بيتها ويغادرنا النهار. لأول وهلة على عتبة السلم يضربني إحساس أنني كنت بالداخل منذ قرن مثلا، وأنني خرجت شخصا مغايرا تماما الذي دخل. أفتح كاميرا هاتفي الأمامية والتقط صورة لي لأتأكد أنني ما زلت أنا. أضحك على الهبل الذي أفعله، وترن في دماغي جملة صلاح عبد الصبور: فليس ما يطلبني سوى أنا القديم. 

لا أعرف إن كان شعوري العام بالأسى هو أثر جانبي لنهايات العشرينات، أم مفاجئة من التغير الحثيث الذي يقتلع مني أشياءا كثيرة، مثل عادات المراهقة الأولى والتي أشك أنها لم يمر عليها أكثر من يوم، أو شهوة إلى تجمعات العائلة والأصحاب. كل ما أعرفه أن الأبواب تنفتح كلها دفعة واحدة، وأحاول إغلاقها، أو المكابرة في وجهها، ريثما التقط الأنفاس. في الليل أتأمل قمرا من الشباك، ولاألبث دقائق حتى اكتشف أنه مصباح عمود الشارع، لكنه مخفي خلف أغصان الفيكس فيظهر عكس حقيقته. ابتسم بسخرية وأراسل أصدقائي بنهم شخص سيموت في الصباح. أحكي في تسجيلات طويلة عن مواقف خلت، وربما لم تحدث واخترعها عقلي، لكنهم يردون بضحكات طويلة، وحكايات مماثلة، نبذر الحكايات في صناديق الرسائل، ونفرح بأزهار اللقيا التي تبدو قريبة، ثم فجأة يقتلع الصمت كل ما بذرناه. نصمت. والصمت يقلقني لأنني جربته كثيرا. في كل مرة يصمت الطرف الآخر يكون إيذانا مبطنا بالرحيل. لكننا لا نجد ما نفعله، كأن الكلام يستعصي علينا، أو كأننا نزفنا كل الذكريات دفعة واحدة. ويستمر الليل. 

في الصباحات قبل العمل، أحاول مهاتفة العائلة، وترتيب الكتب، والقراءة، والرد على ثمالة الرسائل االلاتي لم يلتهمها الليل. مرة وجدت رسالة من ابن عمي يذكرني بتجمعنا في عيد الأضحى. كنا نصلى بالملابس الجديدة، ونجري إلى بيت العائلة، نشاهد الأضحية، ونلعب ريثما تطبخ النسوة الكبدة ويخبزن العيش "الصابح". كان تقليدا عائليا خاصا بنا، توضع صينية هائلة الحجم من الكبدة بالبصل والفلفل في وسط المندرة ونلتف حولها، كأنها محور الكون، كلنا، الرجال والنساء والأطفال، وتطيش الأيادي بفرح، وتمتلئ الأفواه بالضحك والدسم. وعندما نشبع، كنا نخرج إلى الشوارع فنغني ونلعب حتى تتعب الشوارع. ظللت لأيام أتأمل تلك الذكرى، وأغرق فيها حتى خفت ان أكون محبوسا داخل الماضي. وهو مثل الذي لاحظه جون وورنر على تلاميذه بعدما عادوا إلى مقاعد الدراسة بعد صدمة إغلاق الجائحة.

في مقال له بعنوان "خطر النوستالجيا" كان يتساءل جون وورنر عن الإغراق في الماضي. حكى موقفا مشابها لذكريات صينية الكبدة الخاصة بنا، لكنها تتعلق بصوص التوت البري في عيد الشكر. عندما قدمت له زوجته صوص التوت البري بجوار الديك الرومي وطاجن البطاطس المهروسة، أخبرته أن الصوص طازج، فقد أعدَته في الصباح، من مكونات كلها "فريش". تذوق جون الصوص، ورغم اللذة التي بدت عليه، لكنه أخبرها أنه يشتاق إلى صوص التوت البري "المعلب" الذي كانت تقدمه أمه في صغره، منذ ثلاثين أو أربعين سنة تقريبا. وقتها كان الصوص يأتي معلبا في صفائح معدنية، لكن الأيام كانت حلوة، والضحكات العائلية تقطر كل شيء. يتوقف جون عند تلك الذكرى ويكرر لنفسه أنه يعتقد أن تلك الأيام كانت رغيدة، لأنها اليوم أبعد عن ذهنه بكثير من اللحظة الحالية. ورغم أنه يمتلك اليوم فسحة أكثر، لكن ضيق النظر يعينه عن رؤية المستقبل. وربما هذا ما حدث لطلابه.

عاد الطلاب من الجائحة مصدومين، أو بالأدق لا يصدقون أنهم نجوا من الموت وحبسة الجدران، فتعلقت أذهانهم بما قبل، بالتذكر أكثر من المشي للأمام. وهو نفس تأثير الصدمات الكبرى علينا، مثل ما تفعله الحروب في نفسية الجنود، تصيبهم بإدمان الاشتياق للأراضي البعيدة، للوطن الذي تركوه خلفهم، واللحظات ما قبل القنابل والطلقات. في منتصف القرن السابع عشر شخص الدكتور النمساوي يوهان هوفر ذلك الإفراط في الاشتياق إلى الوطن، وكل تلك الأشياء التي لا تعود، بأنه "النوستالجيا". كوّن الطبيب التعريف من كلمتين "نوستوس" أي العودة إلى البيت، و"ألجيا" أي الالم، وكأنها تورث نغزة محسوسة وطويلة في الجسد. يضيف جون وورنر في نهاية حديثه مع طلابه ملحوظة طريفة، أنهم يلبسون أنفسهم في لحظات لا تعود، بينما المسارات لا زالت مفتوحة أمامهم على مصراعيها. 

تذكرني نصيحة وورنر تلك بكلمة "حبس الرحبة" وهو اسم زقاق من أزقة القاهرة القديمة. دائما ما يتبادر إلى ذهني ذلك العنوان، وأتساءل، هل يمكن فعلا حبس الرحبة على اتساعها! لكن الطرقات في ذلك الوقت كانت تصمم بشكل متعرج حتى لا يتسنى اختراقها بسهولة، كما تضيف سترا للبيوت، ودفئا في الشتاء، وظلا في الصيف. لكنها بذلك التصميم المتعرج تبدو دائما مسدودة في النهاية، ومفتوحة في البداية، كأنها لا تسمح بالتقدم أبدا. بعض الطرقات كذلك تصمم لتجعل الإنسان مكفيا على وجهه، كأنه في بحث دائم عن شيء سقط منه، لكنه في النهاية لا يجد، ولا يصل، ولا يرث سوى القتب وآلام الظهر ال

مهدّمة.