محاولات للهرب من للوحدة

محمد عبد الرازق

. 4 د قراءة



للتخلص من الوحدة لم أجد سوى الحب، لا أن أحِب، ولكن أن أجد من يحبني.

في البداية أخبرت فتاة أنني أحبها. كان حدثا استثنائيا، برغم أنه يحدث يوميل في العالم كله بشكل روتيني. نطت الفرحة في عيني الفتاة، كأنها لم تتوقع أن أكون أنا من يعترف لها. أخبرتني أيضا أنها تحبني، ظلت تخبرني كل يوم، وبلا انقطاع، أنها تحبني، أنها ترغب فيّ، وأنا أستمع وأحس بنفسي أكثر، حتى مللت منها، أو أحسست أن اعترافاتها لم تعد تضيف لي أي شيء.

اعترفت لأخرى أنني أحبها. كان حدثا فوق الوصف، برغم أنه متكرر، إلا أن السعادة نبتت في وجنتيها كأنها خلقت للتو. ظلت تخبرني أنني حياتها، وتصفني أنني روحها، وأنا أنتشي من الأوصاف التي لم تعرفها الفتاة الأولى، حتى بليت الأوصاف وصارت خلقا ممزقة، وأحسست أنها لا تلامس داخلي أي شي جديد.

اعترفت لفتاة ثالثة بحبي، ثم رابعة، وخامسة، وهكذا، كنت أعترف بحبي لفتاة جديدة كل أسبوع، كأنني أوزع الهواء على المتنفسين، أو متطوع في عمل خيري لا ينتهي. أي بنت تحصل بيننا معاملة، حتى لو استمرت لعدة دقائق، كنت أعترف لها بحبي، حتى اعترفت لمائة، أو مائتين، أو ثلاثمائة بنت تقريبا أنني أحبهن، فصرت "فلاتي" بامتياز، أو كما أسماني أصحابي سارق قلوب العذارى، الأول والوحيد.

سرقة قلوب العذارى لم يكن لقبا، ولا نكتة يتندر بها الناس، ولا حتى مجازا لغويا، وإنما حقيقة، حقيقة كهذه السطور الآن. كل فتاة اعترفت لها بحبي، كانت تستغرق عدة دقائق متلعثمة، ثم تستجمع نفسها وتسأل ماذا بعد، هذا السؤال كان مفتاحي لكل شيء، كنت أتكلم كثيرا عن كل شيء، الحب والصداقة والحياة الحلوة وعسل النحل الصافي، وكانت الفتاة تستمع بإنصات، ثم أخبرها في النهاية أنها أحلى شيء في كل شيء، لتقتنع أن تمنحني فرصة أن أجرب معها الحب. الحب مثل البطارية، والسيارة، والحذاء، لا بد أن تجربه فترة حتى تقتنع أنه يلائمك، ولا يؤلمك، لكنني في تجربتي لم أكن أستخدم الحب بنية إرجاعه، وإنما بنية حلبه، كنت أستنزف قلب أي بنت أعترف لها، لا مبرر لديّ سوى الخوف من الوحدة، ثم أقول الجملة السحرية: أنا خائف أعيش من غيرك. لم تتوانى أي فتاة عن إعطائي كل شعور ينبض به قلبها، حتى المشاعر تجاه الأكل والقطط والملابس، كانت توفرها لأجلي أنا، وفي اللحظة التي أقرر فيها الطيران بعيدا والرحيل، تخبرني أن قلبها لن يعمل من بعدي، فأظهر عدم اكتراثي بأي شيء، في تلك اللحظة بالذات كانت الفتاة تشق صدرها وتعطيني قلبها؛ تفك أزرار ملابسها بسرعة، وتفتح نغزتين في جلدها ثم تسحبه إلى الأسفل حتى ينفرج، ثم تفك مشابك عظام القفص الصدري، وتخرج قلبها من مكانه، تضعه أمامي على الطاولة، ثم تغادر. أحمل القلب معي إلى بيتي، وتعيش هي الباقي من حياتها بلا قلب، حرفيا.

كنت أعلق القلوب في مشابك على جدران منزلي. وكل ليلة قبل النوم ألعق قلبا معينا بناءا على رغبتي في الحلم. لعقة لمغامرة جنونية، وأخرى لحديقة مليئة بالزهور، وثالثة لأكلة دسمة، ورابعة لأجل البحر، فكل قلب يحمل من صاحبته شيئا مختلفا ويضيف إليّ زهوا يمرر حياتي إلى الأمام.

حتى انتفض قلبي أنا، عندما تعلقت فعليا بفتاتين في نفس اللحظة، أو بالأدق اعترفت لهما في جلسة واحدة. وعندما أقول تعلقت فإنني أعني كل ما تنبيء به الكلمة من معاني، عن الرغبة، عن الشحتفة، عن الطمع، عن الغيرة، وعن التمسك في شيء حد الجنون. عندما اعترفت لهما سويا، قلت أحبكما، كانت الكلمة غريبة وشاذة في نفس التوقيت. ضحكت الفتاتان وسألتا ماذا تعني، قلت أحبكما حبا جنونيا. لكن عيونهما ا اتسعت فجأة، واحمرت خدودهما خجلا وغضبا، وكل شيء كان يقول أن عليّ أن اختار بينهما، أو أنساهما. مع كل تلك الفتيات، لم أعترف أبدا لواحدة في وجود الأخرى، ولم أتيقن فعليا ما الذي منعني، لكن لحظات الانتشاء واندفاع الوحدة المؤقت أهمداني قليلا. لحظة الاعتراف الأخيرة للفتاتين كانت مختلفة، لم يكن اعترافا بغرض دفع الوحدة، بل كان حبا فعليا، تلك اللوثة التي تصيبنا خطفا دون أن نشعر، وللأسف لم أستطع الاختيار، ولم أستطع النسيان. كنت أتصل بهما بالتتابع، وما أقوله لواحدة بصدق، أقوله للأخرى بكل صدق، لكن كلا منهما لم تكن على لسانها سوى شيء واحد إما الاختيار أو النسيان تماما.

عاودتني الوحدة مجددا، بصورة أقسى من البداية، لأنها في هذه المرة كانت تتحامل على ذكرياتي بوجود الفتيات معي. لم أكن قادرا على دفع الوحدة أبدا، ولا ممارسة روتيني العادي في الاعتراف لبنت جديدة، كأنني دخلت في دوامة بين الفتاتين ولا أستطيع الخروج منها أبدا. في ليلة لم أجدا بدا من استخراج قلبي أنا. شققت صدري ببطء، وفصلت قلبي تماما، علقته على مشبك، ولعقته. نمت ولم أر شيئا، ولا أي شيء.



- اللوحة من أعمال الفنان الكندي "andrew salgado"