لم يقتلني مثل الانتظار

محمد عبد الرازق

. 4 د قراءة

هل هناك مرارة أشد من مرارة الانتظار؟ 

كشخص جرب لحظات الانتظار، أكثر فترات عمره، أجلس كصياد على الشاطيء أملا أن يخرج شيء من الماء، لا أعرفه، ولا يعرفني لكنني انتظر. مع الوقت أكتشف أنني انتظرت كل شيء؛ وصول القطارات، سكون النوم، أن ترضى عليّ أمي، عودة أبي، نتائج الامتحانات، الردود على رسائلي الملقاة في الإنبوكس، فتاة ترافقني في المسيرة الطويلة، إلهام الكتابة، وأن ألتقي بذاتي في النهاية. أكل الانتظار عمري القصير، وربما منعني أن أحيا الحياة بعنفوانها. 

منذ سنوات، نمت على رصيف القطار. كنت أنقل عملي من مديرية صحة المنيا. أنهيت أختام الأوراق، وذهبت إلى محطة القطار بعد الظهر، اكتشفت أن أول قطار متجه إلى بحري أمامه اكثر من ثلاثة ساعات. تمددت على أحد المقاعد ونمت بعمق. لم أصحو على أصوات الناس، ولا صفارات القطارات، ولا نداءات الباعة، الشيء الوحيد الذي أيقظني كان هزة من رجل خمسيني أو ربما ستيني، يبدو عليه التشرد والضياع. أول ما قمت سألني إن كنت أنتظر شيئا، فأخبرته أنتظر القطار المتجه إلى بحري. فقال أنا كمان مستني، وسكت طويلا، ثم أضاف بس مش عارف القطر اللي رايح كده ولا اللي رايح كده، وأشار بيديه إلى الناحيتين، قبلي وبحري. تقاسمت مع عدة قرص بالعجوة والملبن كانت معي، وجلسنا متجاورين ننظر ناحية القضبان بلا كلام. حتى جاء قطاري، قفزت إليه بسرعة، وفور ما جلست في مقعدي، ألقيت عليه نظرة طويلة من الشباك، كان مازال مسمرا في مكانه، ينتظر شيئا لا يعرفه. كان الرجل محبوسا في لحظة انتظاره تلك. زمجر القطار ليتحرك من المحكة، وقفزت في أذني كلمات أحمد فكرون في أغنيته "انتظار": أنا والأنين، أنا واللي كانوا، أنا والغريب في انتظار..

هكذا يبدو الكون كله في انتظار شيء ما، مثلما توحي أغنية فكرون، أو كما تحكي اغنية منير "يابنت ياللي بتغزلي قفطانه"، عن فتاة صعيدية، تقع في غرام شاب من شباب القرية، وعندما تفوح قصة الحب، يخبره أهلها أنه عليه مصارعة الأسود، والظفر بألف ناقة، حتى يتزوج من حبيبته، كل ذلك في مدة لا تزيد عن مدة غزل القفطان الذي ستغزله له الحبيبة. يذهب الحبيب في رحلته المستحيلة، وتبدأ البنت في غزل القفطان، تنسج الخيوط، وتلضم العقد طول الليل، ثم قبل طلوع أول شعاع للشمس، لا يطاوعها قلبها على الغدر بحبيبها، فتحل كل ما غزلته، حتى تبدأ من جديد في الليلة التالية. تدور حياتها في دوامة مفرغة من الانتظار، تنظر من النوافذ، تراقب القمر، وتشرح لأهلها أسباب عدم انتهاء القفطان، ويبتهل قلبها مثلما ابتهل أمل دنقل: امنحني القدرة حتى لا أموت.. منهك قلبي من الطرق على كل البيوت. تطرق الحبيبة أبواب الأمل، وتمسك الخيوط في انتظار حبيبها. 

ليست فتاة منير هي الوحيدة التي تنتظر، فـ نيفيلي هي أيضا تنتظر. في الأسطورة اليونانية التي غنتها هاريس ألكسيوس عن فتاة جميلة جدا اسمها نيفيلي، أجمل فتاة في العالم، لدرجة أن زيوس كان يعشقها، وبسبب عشقه لها انشغلت الملائكة بها وتمنوا لو يعرفوا سبب جمالها. في يوم كانت نيفيلي تقف على شاطيء البحر في انتظار زيوس، فجاءها ملاكان فضوليا، عرفها من طوق الأصفر في شعرها، وسقياها عسلا ورمانا لتنام. عرف الملاكان سر جمال نيفيلي، وحزن زيوس لأنها انتظرته ولم يأت. ومن غيرته على جمالها يحولها إلى غيمة، ثم تفنى في السماء فلا يجدها الملاكان مرة أخرى. وتنقلب لحظاتها التي انتظرت فيها زيوس لعنة على الملاكان فلا يصلان أبدا. 

هنا يصبح الانتظار لعنة، لأنه يمط الوقت، ويجعل الإنسان في مواجهة نفسه، أمام الحقائق المؤلمة، وأنه لربما تنتهي به الحياة وحيدا، مثل أمل وهبي وهي تغترب من بحر للتاني، لتقابل ذاتها القديمة، أو وديع الصافي وهو يضع يده على خده ويراقب الطرقات البعيدة في انتظار الغائب ويردد على الله تعود. يمضغ الانتظار حيواتنا، ويعيد صياغتها في صور رثة، ثقيلة وغير محتملة، أو كما يتساءل محفوظ في الحرافيش:"إن الإنسان يشقى بساعة إنتظار فكيف إذا صارت الحياة كلها مفرغة إلا من إنتظار متواصل؟". 

-أعددتُ هذه القائمة بأغانٍ في ثيمتها الأساسية حول الانتظار. وهي منفتحة على اقتراحات أخرى منكم. 

https://on.soundcloud.com/ugGpX

- لوحة الغلاف بعنوان "انتظار الوالد" للفنان السويدي: أوغست هاجبورج.