كنتَ وحدك يا ابن أمي، وكنتُ وحدي، وكانت الشمس في قلب السماء، وانهمكتُ في العمل، بينما اقتحمتَ العالم. وجاءني الخبر غفلة، سمعت شيئا يدوي في الفراغ، ورأيته من خلف الشاشات، مكتوبا بخط أحمر كالدم، واغرورقت عيناي، ودارت بيَ الأرض، ودخلت حجرة أغلقتها علي ولم أعرف كيف أقابل الناس. وددت لو تبتلعني الحوائط داخلها، وددت لو تنهد البناية فأُدفن تحتها.
ودخل زملائي عليّ، وسألوني ماذا حدث، فلم يخرج كلام من فمي، رأيت وجوههم شائهة، وكأنني في مكان غريب، والدنيا شديدة القبح. ولم أعرف بم أجيب. وأخذوني إلى حجرة العمل الرئيسية، ولكني لم أستطع صلب طولي، ودارت بيَ الدنيا، ووقعتُ على البلاط. وعندما أفاقوني سألوني ماذا حدث، فقلت لهم اليوم انكسر ظهري. أخلعوني سترتي، وتفحصوا ظهري، فحصوه فقرة فقرة ووضلعا ضلعا، لكنك كنت أنت ظهري.
تركتهم ونزلت إلى الشارع، مشيت تحت الأشجار، وفكرت في أي شخص أكلمه، وأخرجت هاتفي، فلم أجدا أحدا، أردت أن أعزي الناس، أو يعزونني، ومشيت كثيرا، جوار السيارات، وعلى الرصيف، وأمام مداخل العمارات، أين أنا! أين الناس! أين أنت يا ابن أمي، تجلس وحيدا على كرسي برتقالي، وتقذف ما في يدك في وجه العالم، فيصيب عيني، وأدمع، لكن لا أبكي، أحبس الدموع، ويحتقن وجهي، وأقف فجأة أمام مطعم شواء، وأقول له أعطني شيئا يصلح للعزاء، ويعطيني كيسا لا أعرف مافيه.
وأسير طوال الليل، وظهري محني، أنظر في قدمي، ثم استرق النظر إلى السماء فأرى قمرا، وانتظر أن يوقفني إنسان ويشد على يدي، ويخبرني أن صورتك على الشاشة ليست صورتك، وأنني أتوهم، ولا يوقفني أحد، ولا يعبأ بي أحد، والعالم في عيني يسود. وأدخل البيت خلسة، رغم أنني أعيش وحدي، وأجلس على طاولة الصالة، وأفتح الكيس، وأقول لنفسي أن الصباح رباح، ومع أول لقمة تمتد إلى فمي، تندفع الأنهار من عيني، وأفتح الشاشة لأرى وجهك مجددا، مسجى في هدوء المنتصرين، فتغرق الأنهار وجهي وملابسي. وأفتح غرف البيت غرفة غرفة، أريد أحدا يشاركني في الأكل أو البكاء، فلا أجد، وأندم لنصيحة أمي التي كررتها كثيرا أن أتزوج. لكنت وجدت اليوم امرأة أرتمي في حضنها كالعيال. وأنام وسط الصالة قرب الطاولة، وأراك في الحلم، تشتم وردة حمراء، والقمر جميل ومنير خلفك. وأستيقظ في منتصف الليل عطشانا، فأجري إلى المطبخ، وأعب الماء عبا، ولا أرتوي. وأتفحص هاتفي مرارا، أبحث عن شخص أكلمه فلا أجد، أبحث عن شخص يكلمني فلا أجد، الجميع يبكي وحده، والجميع يبحث وحده. ويغلبني نوم آخر، فأراني في بحيرة من دماء، وأحاول عبثا السباحة، أدفع الدماء بيدي، فتندفع داخل فمي وأنفي. وأستيقظ بعد الفجر، وأرى نورا واهنا من الشباك، وأشعر بحرارتي مرتفعة، أنادي على أمي، وأنادي أكثر من مرة، ثم أتذكر أنني وحدي، فأتقلب على السرير، وأستمع إلى شقشقة الطيور على الشجر تحت الشباك، وأقول لنفسي لما تشرق الشمس أذهب إلى المشفى، لكنني أتهاوي على السرير، وأغمض عيني فتنسكب دمعة. آه كم كنت وحدك يا يحي. آه كم كنا وحدنا.