وبعدين يا صاحبى ؟

محمود الصَغير

. 5 د قراءة




أتذكر في مراحلي الأولى، ومن دون كل إخوتي، كان والدي يفضلني أن أذهب معه لقضاء مشاوير البيت في المحيط القريب والبعيد؛ لأني أجد المشي صديقًا لي منذ الطفولة، ووسيلتي المفضلة للتواصل مع البيئة المحيطة.


حينما أريد أن أتحدث في شيء ما، مهما كان الموضوع مهمًا جدًا أو تافهًا جدًا، كان المشي وسيلتي للتعبير.

ولهذا دومًا كان يختارني والدي معه لهذه المهمة؛ لأني سأقبل من أول مرة، عكس إخوتي الذين ربما يجدون من المبرر ألفًا لكي يمتنعوا عن المشي، لأن أبي بعاداته يمشي كثيرًا، وقد اكتسبت تلك العادة منه.


ويشاء القدر كلما أمر بمكان مع أبي يعرف هذا المكان ويعرف جميع الأشخاص به، ليس في منطقتنا المحيطة، بل في أحياء القاهرة كلها. فحين كنت أتمشى معه،، أكاد أجزم أن حين يتمشى فقط يرمي بالسلام كل بضعة ثوان على أشخاص مختلفين.

.

يرمي بالسلام على فلان، يجلس مع آخر، يساعد آخر في شيء ما. فوالدي بطبعه كان شخصًا ودودًا يحب الناس محادثته باختلاف الأسباب.


روحه الاجتماعية، ومروره بتجارب مختلفة، وسفره كثيرًا داخل مصر وخارجها، جعلت منه شخصًا صاحب قرار وشخصًا ناصحًا، ويلجأ إليه الناس لاستشارته في أمور حياتية مختلفة، وكان أبي يؤمن أن مثلما نساعد الناس سنجد يومًا ما من يساعدنا.


وقبل اختراع مصطلح اللايف كوتش كنت أؤمن أن أبي لايف كوتش لا مثيل له؛ فهذا الرجل صاحب الشعر الأبيض، مواليد زمن غير الزمن، قد جعلني، وبالرغم من اختلاف العصور، أن ينصح بقلب وبمثابرة من يحتاج النصح، ودومًا ما تجد عنده الحل.


فدائمًا، وبالرغم من حياته غاية البساطة، كان دومًا يحمل في قلبه الأمل تجاه كل الأشياء. أتذكر المرة الوحيدة التي حدث فيها شيء وخالف توقعات أبي، هي ثورة يناير؛ لأنه لم يكن يضع أملًا أن مبارك سوف يتنحى حتى لو حدثت ألف ثورة!

فقد وُلد أبي في عصر الملك فاروق، وعاصر كل رؤساء مصر بلا استثناء، لكنه لم يكن يتوقع أن يحدث هذا الأمر، وقد كان، ولم أرَ ابتسامة وفرحًا مثلما رأيته حينما كان يستمع إلى خطاب التنحي بفرح ودموع !



بطبع والدي هكذا تربيت، فبناءً على شخصية أبي الاجتماعية أصبحت دون إخوتي شخصًا اجتماعيًا بالفطرة، أحمل الأمل بين راحتي يدي، وأؤمن أن المعجزات تحدث دومًا.


ولأني أعي أن الإنسان هو نتاج خبرات احتكاكه وتعامله بالناس المختلفين خارج محيطه، ولهذا أيقنت أن الاجتماعية عامل مهم في حياة الفرد لاكتساب الخبرات وزيادة الفرص. هكذا أؤمن.


وبالرغم من تعاملي اليومي مع أناس مختلفين، حتى أصدقائي، فدوائر علاقاتي وأصدقائي مختلفة ومتعددة؛ من أصدقاء مقربين جدًا، لأصدقاء أنشطة مختلفة، لأصدقاء مراحل مختلفة، لمعارف في كافة المجالات. ولذلك جزء من يومي، ولو مجرد ساعة، هو الحفاظ على علاقاتي الحالية وتنميتها. وكذلك مرورًا بتجارب مختلفة جعلت مني شخصًا مرّ بتجارب مختلفة في وقت قصير، ولهذا أجدني دومًا في موقف الناصح؛ لأني بطبعي شخص عقلاني وأضع نفسي مكان الشخص الآخر.


خلال السنوات الأخيرة، كلما أراد شخص نصيحتي فى موقف ما ، فدومًا ما يسألني السؤال الذي أقف دومًا عنده:



"وبعدين يا صاحبي؟"


طامعًا في أن أحلل له الموقف الذي يسأل عنه. فدومًا أجدني أقول إجابة ثابتة مهما كان الشخص أمامي:

"بعدين بتاعة ربنا – إحنا بنسعى".


ولأني أؤمن أن السعي هو وسيلتنا للنجاة والتغيير للأحسن، يقف المرء دومًا ويتساءل:


ما الجدوى مما أفعله اليوم؟ ما هو الهدف وراء ما أفعله؟ هل الهدف الذي أريده هو حقًا ما أريده؟ لماذا؟


هكذا علمني أبي أن الهاوي يحركه الحماس، والمسؤول تحركه الإرادة. لطالما أؤمن أن ما نفعله اليوم هو جزء بسيط من خطة نسعى لها وإليها حتى نحقق شكل حياة نريدها بطريقة أو بأخرى، وهذا يتطلب مجهودًا من الوعي الذاتي.


ماذا أحب؟

ماذا أكره؟

ماذا أستطيع أن أتحمله؟

وما لا أتحمله؟

ما هي القيم أتعامل بها في حياتي؟

ما هو شكل الحياة التي أريدها؟

هل أسافر أم أبقى؟

هل يرضيني المستوى المهني الخاص بي اليوم؟

هل ما أريده هو جمع المال فقط مهما كانت الطريقة؟

هل تأسيس أسرة فقط مع الحفاظ على مهنة مستقرة كافٍ؟

وظيفة أم بيزنس خاص؟


آلاف الأسئلة الممكنة، ولكل منها طريق مختلف عن الآخر، ولكل اختيار من تلك الاختيارات كفيل أن يجعل حياتك مختلفة بطريقة ما عن اختيار آخر.


دعنا نفكر بها يا صديقي بطريقة ريادة الأعمال على المستوى الاستراتيجي. أنا فرد في هذا المجتمع أريد شكل حياتي أن تكون حياة هادئة من زحمة الحياة وعبودية الشركات. فإني أؤمن أننا نعمل لكي نستطيع العيش، وليس العكس. ولهذا إذا توفر لي عمل يوفر لي مواردي الحياتية، ويكفي لتأسيس أسرة في حياة كريمة، ويكون العمل جزءًا من يومي، وأستطيع أن أعيش بشكل آدمي في هذا المجتمع مع ممارسة كافة الأمور الحياتية الأخرى دون ضغوط، وعلى حسب ما أريد شكل يومي، ودون التعرض لضغوطات تكفي لإنهاء حياتي بسببها،


فهذا طريق.


والطريق الآخر أن أوفر لنفسي عملي الخاص دون الحاجة إلى كارير. هل أستطيع أن أوفر لنفسي تلك الحياة الكريمة من عملي الخاص؟ هل أستطيع أن أحافظ لنفسي على شكل حياة مستقر بشكل دائم من خلال عملي الخاص؟ هل أستطيع أن أوفر تلك الحياة هنا بذلك الشكل بكافة الضغوطات؟ هنا؟

لا؟

إذًا السفر أمر لا بد منه؟

إلى أين؟

أموال كثيرة في الخليج؟

حياة أفضل في أوروبا؟

استقرار أكثر في بلاد المهجر؟


بحسب شكل حياتي الذي أريده، أؤمن أن شكل الحياة التي أريد تحقيقها ليس في الخليج، وإن كانت أمواله كثيرة. إذًا هي أوروبا؟ من ثلاث وثلاثون دولة، أي دولة سأختار؟

ما هي فرص مجالي في تلك البلاد؟

وهل الاستقرار التام في تلك البلاد والعودة مرة أخرى إلى الوطن؟ أم العودة إلى الخليج لجمع الأموال؟

هل الاستقرار في بلد من بلاد المهجر أفضل من البداية؟


أؤمن جدًا بمبدأ أثر الفراشة؛ فكل اختيار من تلك الاختيارات يتطلب كثيرًا من المجهود وكثيرًا من التعب والمثابرة حتى تستطيع أن تحقق خطوات ثابتة به.


ولكن يجب أن نتيقن أن الخطط دومًا قابلة للتغيير، وأن كلما مر يوم علينا اكتسبنا خبرة ما، وأضافت معلومة لنا، لربما كانت سببًا في تحريف مسارنا وتعديل خططنا. فالخطط ليست ثوابت وسطورًا مستقيمة نستطيع المشي عليها دون أن ننحرف عن تلك السطور، فقط علينا أن نتحلى بما يكفي من الشجاعة لرؤية ما نريده حقًا أو ما نريد شكل حياتنا أن تكون عليه.


أنا مثلك يا صديقي.

لا أملك اليوم إجابات نهائية لكل هذه الأسئلة،

لكنني أملك ما هو أهم: وعي بما أريده،

ووعي بما لا أريده.

وأدركت أن الحيرة ليست ضعفًا، بل بداية طريق يختاره من يعيش بوعي.

وبعدين يا صاحبي؟

وبعدين؟

بعدين دي بتاعة ربنا – إحنا بنسعى