منذ بداية الشهر الكريم وأنا في زحمة المسلسلات لا أشاهد كعادتي إلا مسلسلًا واحدًا كحد أقصى، ولكن كعادتي أشاهد إعلانات رمضان.
في الحقيقة، بغض النظر عن تكرار أفكار الإعلانات، إلا أنها كل عام تكون متميزة بشكل ما.
من ضمن الإعلانات التي أنتظرها كل عام هو إعلان بنك مصر، دائمًا ما يكون حماسيًا غير تقليدي ويدعو للتفاؤل بشكل ما.
وهذا العام كالعادة محمود العسيلي، ولكن معه صاحب الطلة الألطف على الإطلاق بهاء سلطان.
لا أدري لماذا أشعر بأن بيني وبين بهاء سلطان صداقة خفية باعتباره دكتوري النفسي الافتراضي لما تفعله أغانيه وصوته في حياتي بشكل ما !
ولكن الأغرب أن ليس أنا فقط من له علاقة مميزة بأغاني بهاء سلطان، ولكن كل جيلي من مواليد التسعينات وكذلك الثمانينات، كلما يأتي الحديث عنه يتعاون الجميع في المدح، وأن له مكانة خاصة في قلوبهم جميعا وانهم صديقهم المفضل ايضا
في هذا العام كلمات أغنية بهاء سلطان بسيطة وقاسية ومعبرة في نفس الوقت.
زي كل مرة أجيلك أمشي
حبة وأشتكيلك همي
بيتوه في الشوارع اللي
ماشي فيها نيلك
والسؤال اللي في راسي إزاي
يا مصر بتعمليها إزاي
إزاي وأنا قلبي مش ناسي
والله حيرتيني
كلمات أحسن تعبير عنها أنها السهل الممتنع. أشعر حين أسمعها بالامتنان وأيضًا إحساس دفء البيت والأسرة، أو كما يقال بمفهوم اليوم:
Feeling Home
لا أدري لماذا هذا الشعور بالذات حين سمعت الأغنية؟ وكيف يولد هذا الإحساس داخل النفس؟ هل بدفء الأسرة؟ هل بدفء علاقة ما؟ ما المشاعر التي دفعتها تلك الأغنية بداخلي حتى أشعر بذلك الشعور يومها؟
Feeling Home?
ما هو هذا الشعور؟
بمنتهى البساطة، بالمعنى الحرفي أشعر أنني في بيتي، ولكن المعنى الإنساني أنني أشعر بالراحة والطمأنينة والأمان كأنني في بيتي.
من بين كل المشاعر الإنسانية يبقى دفء البيت والأسرة هو الشعور الأجمل والأمن على الإطلاق، أن في بيتك وسط عائلتك تمارس روتينك اليومي الجميل، تشعر بالدفء والأمان داخل هذا البيت.
من وجهة نظري المتواضعة هذا الشعور هو عبارة عن إحساس مركب من مشاعر مختلطة مثل:
الأمان: أمان نفسي تجاه هذا المكان (أو الشخص) لست مضطرًا أن تثبت شيئًا تجاه الآخرين ولا نفسك، فقط أنت بلا ولا شيء.
القبول: تتكلم بطريقتك بدون حكم مسبق أو قوالب مسبقة مبنية على تصرفات سابقة.
الدفء: إحساس أنك بمجرد وصولك للمكان ده وصلت لمرحلة الطمأنينة، وخارج المكان ده العالم كان باردًا وشعرت بالدفء بمجرد وصولك.
وأخيرًا يبقى إحساس الانتماء: أنك جزء من المشهد، وأن المشهد ليس مؤقتًا، بالعكس مشهد يكون دائمًا وثابتًا ولا يكتمل إلا بك.
بمجرد الإحساس بتلك المشاعر معًا تشعر أنك وصلت للشعور المطلوب.
ولكن هل الشعور يبقى فقط في الأماكن؟
ربما أشخاص أيضًا بمجرد وجودهم في الدائرة المحيطة يجعلك تشعر بهذا الإحساس، وأنهم هم الأمان بكل معنى الكلمة. وليس يجب أن يكون شريكًا، لربما صديق وجوده يكفيك أن تشعر بالدفء والأمان كلما تسمع صوته ويكون حولك.
ربما في أغنية عابرة مثل كلمات أغنية بهاء سلطان معبرة عن الحال تجعلك تشعر بالدفء حين تسمعها.
وربما زيارة لمكان تألفه، وحين تزوره يجعلك تشعر بالحنين والذكريات.
أعي جيدًا أن تلك المشاعر من المشاعر السعيدة في حياة الإنسان ، ولكنه القدر الذي يجعل من تلك المشاعر لحظاتها قليلة جدًا مقارنة بمشاعر أخرى مثل الخوف والقلق على سبيل المثال.
أود أن أستمر في نشر تلك المشاعر الإيجابية، ولكني في أمس الحاجة لها. أفتقد كل شيء جعلني أشعر يومًا ما بذلك الشعور، ولذلك لعلني أشعر بها عندما أسمع أغنية تعبر عن حالي، أو ربما كوب قهوة من بينوس فرع مكرم عبيد كما اعتدت في أيامي الماضية.
فمنذ فترة كبيرة وأنا أبحث عن ذلك الشعور في كل شيء حولي لعلي أدركه في شيء ما، ولكني أعود بخيبات متتالية.
نقص ذلك الشعور في حياتي ونفسي الداخلي بالأخص يذكرني بنقص فيتامين د في جسمي المتهالك.
فقط صارحني دكتور الأسبوع الماضي عندما أرسلت له تحاليلي أن نسبة فيتامين د يكاد يكون مختفيًا في جسمي.
ساورني الفضول حيال ما يفعله نقص فيتامين د في الجسم، وكانت الإجابات كلها مفيدة: ألم في العظام، صداع مزمن. مكتوب أيضًا أن فيتامين د مرتبط بتنظيم بعض النواقل العصبية في المخ، لذا هناك قابلية أعلى للاكتئاب ونوبات تقلب مزاج عنيفة.
ولكنها الحياة، أحيانًا تكون في غاية الصعوبة والقسوة، تجعلني أعاني بصمت، وأحيانًا تجعلني أطير في السماء من مجرد شعور عابر في لحظات قليلة.
مثلما قال المبدع فؤاد حداد في قصيدة (أيام العجب والموت):
عمال أبالغ في الأمل واليأس، يوم أقول الموت أخف، ويوم ما كانتش الدنيا سايعاني
أفكار متداخلة داخل عقلي أكتب في سبيل أن تخرج تلك الأفكار شديدة البرودة من عظامي، لعلي أشعر مرة أخرى بذلك الشعور يومًا ما.