
The girl in the moonlight --Artist Gurdish Pannu
امبارح كنت بحتفل بانتصار صغير للإنسان صغير للإنسانية فقلت أطلب لازانيا سبانخ من فيتوريوز ( أجمل لازانيا سبانخ في حياتي). الأوردر وصل، وبصيت للطبق كده، وفي لحظة بصيرة معتادة، أيقنت إن مرارتي مش حيعجبها الكلام دا. طبعًا كأي بطل تراجيدي كلت اللازانيا وقعدت نحو ٨ ساعات في كريزة مرارة ولا أروع.
نوبات المرارة مالهاش حل غير إن الواحد يستناها تخلص. هتاخد انتقامها كاملًا وبعدين تسكت. المسكنات مش بتعمل حاجة، وأحيانًا ما بيبقاش فيه قدرة حتى على رفع سماعة التليفون لطلب المساعدة. ساعات من الألم اللي بيشلّ فعلًا. مازلت مش فاهمة يعني إيه عضو يبقى عنده القدرة على بث إشارات ألم عاصر وحارق لساعات متواصلة؟ إيه الوظيفة اللي بيأديها الألم دا؟ ما خلاص فهمنا إن فيه حوار هنا، وبعدين مفيش إجراء معيّن ينفع أعمله عشان دا ينتهي، ف ليه الإطالة دي؟ مع ذلك، بقيت أعتبره تمرين ممتاز في التسليم، وتذكير ممتاز إن بعض الأشياء لازم تاخد مسارها كاملًا، وبعض المسارات زي الخرا فعلًا، والبطانة الفضية الوحيدة لهذه السحابة المنيلة هي إن مغص المرارة، كما كل شيء، بطريقة أو بأخرى، له آخر.
وكما كل شيء، there's a learning curve. أول كام مرة مثلًا مكنتش ببقى فاهمة فيه إيه. كانت النوبة بتباغتني. بالوقت ابتديت ألاحظ المقدمات، ألم في بطني، بيبدأ يتصاعد بالوقت (حوالي ساعة من التصاعد) لحد ما يوصل للذروة، وبعدين يفضل في الذروة دي ساعات، ثم ينتهي. الوقت المناسب للتدخل، عادة، هو اللحظات الأولى دي. الوقت الأنسب طبعًا هو لحظات البصيرة اللي ببص فيها لطبق معيّن ويلهمني حدسي إن الطبق دا حيكلفني ساعات من عمري، والتدخل الأنسب إني ماكلش أم الطبق، لكن كما أسلفت، عندي نزعة للتراجيديا، وضعف وراثي تجاه الأكلات الدسمة.
في النوبات الأولى برضو كان بيبقى عندي خوفين أساسيين، أولًا إن الألم دا حيفضل للأبد، ودي فكرة، على استحالتها، في وقت الألم نفسه، تبدو حقيقية جدًا. لما بقيت أكثر احترافية في التعامل مع النوبات بقيت بزجي الوقت بالتأمل في الحالة الإنسانية. من ضمن التأملات كان موقف البشرية من الديمومة. علاقة غريبة جدًا. احنا طول الوقت بنتمنى دوام الأشياء، دوام الشباب، الحب، الصفا، الصحة، الحياة نفسها، لكن الديمومة لو بقت أوبشن، هتبقى أوبشن مخيف جدًا. وأيوه فاهمة طبعًا إن المثالي إنها تبقى أوبشن في الحاجات الحلوة بس، لكننا لا نستطيع أن ننقي البسطرمة من البيض، ومع ذلك، مازلنا نسعى، بمنتهى الإصرار وبلا أي جدوى، لتنقية بسطرمة الهناء من بيض الوجود. الإصرار دا نفسه مدهش جدًا لما تتفرج عليه من مسافة. من البرزخ. من قلب تجربة العزاء الوحيد فيها إنها مش دايمة.
الخوف التاني طبعًا إني أموت حالًا، ودا مش خوف بقدر ماهو إحراج استباقي لإن الأوضة، عادة، مكركبة، وأنا، عادة، مش لابسة هدوم مناسبة (أو مش لابسة أصلًا)، والوضع كله محرج جدًا جدًا.
بالوقت والملاحظة، ابتديت أتعلم بعض الأشياء المفيدة. مدة النوبة ٦-١٠ ساعات تقريبًا. مشروب النعناع، في كثير من الأحيان، أكثر نجاعة من حبوب المنتول الخضرا اللي مفروض تتاخد لتفادي النوبة، لا للتعامل معاها. تمارين التنفس وإن كانت مش هتخلي الألم أقل - والتنفس نفسه بيبقى مؤلم أصلًا وقت النوبة - إلا إنها تنفع تشتيت مناسب. كذلك - سبحان الله - الأنين! الأنين بصوت. معرفش إزاي دا مفيد لكنه كذلك، ودا ينفع موضوع للتأمل في النوبة الجاية.
بسلّي نفسي أحيانًا بالبحث عن مجازات مناسبة لطبيعة هذا الألم. عادة بتيجي في بالي حربة كبيرة داخلة في جنبي اليمين، وطالعة من ضهري. بعدين بالوقت ابتديت ألاحظ إن فيه سخونة ما، الألم نفسه سخن، فبقت حربة سخنة. الصورة دي باظت لما عقلي حاول يقولي أيوه بس الحربة السخنة دي مش هينفع تفضل سخنة ٦ ساعات، منطقيًا مفروض تعمل "تش" ونخلص، فبقيت أتخيل حاجة أقرب لمكواة الشعر، متوصلة بمصدر طاقة ما بيخليها تفضل سخنة وما تعملش "تش" لحد نهاية النوبة. أحيانًا برضو بتسلى في محاولة تخيّل شكل الحربة، حجمها، النقوش اللي على نصلها وإيدها، مانا مش هتعذّب بحربة عادية كده، لازم حربة ذات طابع فني برضو.
اللحظة الأروع على الإطلاق هي لحظة انتهاء الألم. عادة بينتهي فجأة، بس بعد فترة من المراقبة المتأملة للذات ولطبيعة الألم نفسه، ابتديت أميّز دقيقة أو دقيقتين في منحنى الألم بيقولوا إننا خلاص على وشك الانتهاء. انقباضة دقيقة جدًا في مرارتي نفسها. الانقباضة دي هي نَفَس الحياة بالنسبالي. أحلى انقباضة على الإطلاقة.
في الأول، كنت بفقد وعيي بمجرد انتهاء الألم. جسمي كان بيبقى وصل لنهاية قدرته على الاحتمال، فمجرد ما الحربة تتشال، بيسترخي بالكامل فجأة، ويروح في نوم طويل عميق. بالتدريب برضو بقيت بحاول أقاوم الإغماءة دي، لإني اكتشفت إنه شعور بديع فعلًا؛ استعادة الجسم العادي اللي من غير حربة. الجسم اللي انا مش مدركة إن جواه جهاز هضمي قادر على تصدر المشهد، ربما وابتلاعه بالكامل، لساعات. جسمي اللي أنا مش حاسة بيه.
عارفة إني مش حاعرف أستمر في الهروب من العملية للأبد، وإني في لحظة ما حابقى مضطرة أتجاوز خوفي من منظومة الصحة في مصر، وخوفي الأكبر من فقدان الإرادة - إني أفقد سلطتي على جسمي لفترة، وأسيبه لغريب يشيل منه جزء معيّن على أمل إنه ما يبوظش الدنيا، حتى لو الجزء دا معطوب ومطلّع عين أهلي. بس أهو لحد ما دا يحصل أديني بتأمل.