
أزمتي مع "الناجيات"
وصف الناجيات، في رأيي، محض محاولة للعب باللغة مع كلمة المجنى عليهن أو الضحايا، بيدي شعور مزيف بالقوة والتعافي والأمان، فيطمس أسئلة مهمة، زي
١- إيه تعريف النجاة؟ نجت يعني إيه؟ هل معناها اتعرضت لجريمة بس لسه عايشة؟ ما جتلهاش عاهة مستديمة؟ يعني الجريمة كحدث، انتهى، فهي مش بتتعرض للاغتصاب أو التحرش أو الاعتداء أو التعنيف حالًا واحنا نتكلم دلوقت؟ نجت يعني راحت ثيرابي ورجعت الشغل؟ ارتبطت؟ بطلت تتكلم في الموضوع؟ نجت يعني إيه بالظبط؟
٢- اللي نجت دي نجت من إيه؟ ومن مين؟ ولحد امتى؟ نجت من س أو ص، بس لسه بقية الأبجدية مستنياها في الشارع، وفي الشغل، وفي المدرسة/الجامعة، وفي المستشفى/العيادة، وفي المساحات الثقافية، والدينية، وفي دوائر الأصدقاء، وفي البيت، والغيط، وع النت، ووصولًا إلى مؤسسات دعم الناجيات؟ نجت من الاغتصاب بس لسه بتتعرض للتحرش، أو للعنف المنزلي يوميًا عادي؟ نجت النهارده بس بكره الصبح هنصبح نعيده تاني بجريمة مختلفة؟
محتاجين، بهدوء شديد، نتفق على إن مافيش ناجيات. نجيبها يمين نجيبها شمال ما حدش ممكن ينجو في بنية عنيفة وشرسة وقادرة على إنتاج وتطوير الخطر والعنف باستمرار، وبمزيد من الشراسة، وبقدرة مدهشة على رفع سقف العدوان وتمكين الجُناة. يعني محدش ممكن ينجو لوحده. يعني مفيش نجاة فردية يا خلف.
والأهم بقى، إن مافيش نجاة عشائرية. مش هينفع والله نلم الكام نفر اللي نعرفهم في كرتونة ونقفل عليهم ونقول عليهم "دواير ثقة"، ونسيب العالم يضرب يقلب ونتوقع إننا كده "نجونا". دا شيء رجعي وقبلي ومنغلق على نفسه ومرتاب من العالم، ولذلك حيعيد إنتاج قرف العالم وخلل موازين القوى فيه بس في مساحات أضيق وبتكلفة أعلى، لإننا بيتعامى عن قدراتنا البشرية على الإيذاء والاستغلال والابتزاز، وعن كوننا، في النهاية، أبناء العنف والأبوية اللي بنتعارك معاهم دول وشايلين إرثهم جوانا وبنتعارك معاه، ونكسب جولة ونخسر اتنين، وعن كوننا مش سواسية جوه الكرتونة أساسًا، وبيننا تفاوت في التعليم والثقافة والموارد والمكانة والفرص والنفوذ، وحتى في الكاريزما. غير إنه مش ممكن أصلًا، لإن عشايرنا المزعومة دي مش هتنفصل عن العالم ولا هتستغنى عنه، وهنفضل نشوف الناس بره بتقتل بعض طعنًا في نهار ربنا في الشارع فنحس بتفوق وهمي إننا ياااه.. ع الأقل محدش فينا قتل التاني. تعريفنا للإجرام والأذى والاستغلال بيتشكل على حسب أسوأ نقطة وصلها العالم حوالينا. انتبهنا لدا أو لأ. اعترفنا بيه أو لأ. قبلناه أو لأ.
فالتعامل بمبدأ الكتاكيت في الكرتونة بيفكرني بالآية الكريمة "يضعون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت". فيه عاصفة شغالة بتفني الدنيا، وفيه ناس شايفة إنها لو سدت ودانها عن صوت الرعد تبقى نجت.
أزمتي مع "نصدق"
أزمتي في "نصدق" إنها مبهمة زي الناجيات بالظبط، وبلا معنى زيها بالظبط.
١- مين احنا اللي بنصدق؟ نون الجماعة دي عايدة على مين يعني؟ على النسويات؟ على المثقفين؟ على الحقوقيين؟ على صحابنا؟ الكام نفر اللي لن يتجاوزوا، يوم يعني ما يزعق لنا نبي، ٢٠ ألف نفر في بلد تعداده فوق الـ ١٠٠ مليون، ومالهمش أي قدرة على صناعة القرار فيه؟ غير أن هما أصلًا فيهم ما شاء الله المتحرش والمعتدي والمغتصب والمبتز والمستبد وكلب المنح واللي داخل المجموعات التقدمية يشقط؟ جامد.
٢- هل فيه أي حد فينا، احنا المجموعة غير المعيّنة دي أصلًا وغير القادرة على ما هو أبعد من التصديق، عنده بريال نزاهة وتواضع، ومستعد يعترف إنه ما يقدر على القدرة إلا ربنا، وإن انطباعاتنا الشخصية مش هتخلينا نصدق "كل" الناجيات، بنفس الحماس، في كل المواقف، في مواجهة كل المتهمين، على طول الخط؟ إن اللي بنقوله، أو بنطلبه من نفسنا دا أصلًا فوق إنساني؟
٣- بعد ما نصدق الناجيات، هنعمل إيه بقى؟ هنتصرف إزاي في ضوء ما نصدقه دا؟ ولا محض تصديقنا للناجيات بقى هو الأفق؟ يعني فين الإدانة والمحاسبة والتعويض وجبر الضرر وحماية المجتمع؟ ولو مش من سلطتنا ولا صلاحياتنا ولا في قدرتنا نقدم أي حاجة من دي، بنقدم إيه بعد ما نصدق الناجيات؟
احنا، أيا كنا احنا مين يعني، كجماعة تصدق الناجيات، مش مؤثرين للدرجة في مصاير الستات في البلد، ومحض تصديقنا للناجيات مش بهذه الأهمية أصلًا.
التصديق لا ينجي أحدًا
لفترة، شعار "نصدق الناجيات" ساعد ولو جزء من الستات والبنات، اللي وصلتهم الفكرة، من خلال السوشال ميديا بالأساس (اللي هما ولا حاجة مقارنة بباقي الستات والبنات في الجماعة الأكبر اللي اسمها مصر) إنهم ما يحسوش بالعار تجاه العدوان اللي بيتعرضوا له، فيتشجعوا ويحكوا، بس الحكي في حد ذاته لا حاسب جناة، ولا جبر ضرر، ولا دفع فاتورة ثيرابي، ولا عوّض حد عن فقدان وظيفة أو بيت، أو دراسة، أو أزمات صحية بنمر بيها من كتر. ما بناكل في نفسنا، بل يمكن خفض سقف توقعاتنا عن العدالة في قضايا العنف ضد النساء لدرجة مجرد إن حد صدقني بس ونشر كلامي فانا كده خدت حقي.
مش كلنا عندنا القدرة على تغيير حياتنا رأسًا على عقب والابتعاد بالمشوار عن الجناة بحيث يبقى فضحهم هو بس الحاجة اللي ناقصة والتشفي فيهم، ولو لفترة، هو الشعور اللي ناقص لنجاتنا. دا في حد ذاته امتياز. فيه ناس مضطرة تعيش مع اللي بيعتدوا عليهم تحت سقف واحد، مضطرة تفضل تشتغل عندهم، مضطرة تفضل ساكنة معاهم في نفس العمارة أو نفس الشارع. مضطرة تكمل في الدراسة تحت سلطتهم في الكلية أو في المدرسة. تصديقنا ليهم ما بينجيهمش، ونجاتهم، اللي هي نجاتنا جميعًا، المفروض هدفنا.
ولفترة الدوشة على السوشال ميديا خلت الناس أكثر حذرًا في تصرفاتها، ومنعت مجرمين محتملين من ارتكاب جرائم ضد النساء، بس تاني على نطاق محدود وبتأثير محدود، وصلنا بالوقت للمرحلة الحالية: مرحلة ديّتها إيه يعني؟ ترند على فيس بوك وكام بلوك على أنفريند وكام فرصة شغل تروح؟ ما طز! قضية تشهير بتلاتة مليم ونحبسهم ونخليهم عبرة.
"التجريس" مش آلية محاسبة. والنبذ المجتمعي فيه قدر مهول من التمحور حوالين الذات، وكإن مجموعاتنا على السوشال ميديا هي حدود العالم المأهول، وما خارجه قفر لا فيه فرص ولا حياة ولا ناس ممكن تتعرض للعدوان (عندنا برضو مسؤولية تجاههم لو مش بحكم الموقف الأخلاقي، فبحكم النفعية البحتة عشان تاني، مفيش نجاة فردية ولا عشائرية)، أو تكون علاقات جديدة مع الجناة بدون أي فكرة عن الحملات والشهادات والترندات والفضايح. حتى على السوشال ميديا نفسها، وفي المجموعات اللي بتصدق الناجيات نفسها، الناس على حياة عيننا يعني اختفت سنة ولا اتنين، ورجعت كأن شيئًا لم يكن. لإن في وضع زي اللي احنا فيه، كل يوم جرايم وكل يوم انتهاكات، ومؤخرًا كل يوم والتاني شهادات، غير الأزمات الاقتصادية والحروب الإقليمية، مين مخه دفتر؟ مين هيفضل فاكر إن فلان اللي كان بالنسباله اسم ع السوشال ميديا طلعت عليه شهادات تحرش من سنتين من واحدة مجهولة؟ وحيفضل فاكر لحد امتى؟ ولما يفتكر حيعمل إيه؟ وإيه المدة اللي هيشوفها مناسبة لنبذ المتهم أو مسامحته؟ ماحنا سبناها لتقدير الأفراد بقى وراهننا على ذاكرتهم، وكإن محض الوصم المؤقت (وهو كده كده مؤقت) عقوبة كافية في جرايم العنف ضد النساء دونًا عن كل الجرايم. وكإن كل الناس عندها نفس البوصلة الأخلاقية أو الثار الشخصي، ونفس الاستعداد للتضحية بصداقات أو علاقات مهمة أو فرص شغل أو دراسة أو تمويل، عشان سواد عيون تصديق الناجيات.
ف إن شاء الله محدش نجا، ومحض تصديقنا مالوش معنى. ها إيه تاني؟

طبعًا الوضع الحالي محدش بإيده يعمل حاجة .. لكن ف رأيي الوصم المجتمعي بيبقى الدافع لتغيير قوانين ف الدول .. إن مكانش أقوى من القانون ذات نفسه ..مثال على ده ان ف مصر مفيش قانون يجبر الست انها تلبس الحجاب لكن المجتمع بيجبر الست تتحجب و تتنقب.
متفهم ان المقالة تنفيس أكتر عن إعطاء حلول بس في رأيي ان أضعف الإيمان هي وصم المتحرشين و المغتصبين و نكمل تصديق في الضحايا/الناجيات/اللي متداس على وشوشهم منلحد ما يجي يوم يبقى بإيدينا نعمل حاجة .. لأن البديل هو عدم الكلام و ده أسوأ
آه والله .. آه والله .. آه والله ..
المعجبون (1)