
من فترة طويلة كنت بفكر في تأثير واقعنا السياسي الرائع علينا، على علاقاتنا تحديدًا. كنت بفكر إننا عايشين جائحة اكتئاب، حتى لو مش معترفين بده عشان "الاكتئاب ليس سببًا للإجازات المرضية" على رأي هانا نيكول. بس آه دا حاصل، وبينخر في كل شيء، وبيحط جدران عالية باردة، تعزل الفرد جواها عن كل الناس، تحرق كل جسر بينه وبين الآخر، وتبدد كل انفعال، أو أمل، أو شعور بالإمكانية.
من ٣ سنين لولو كانت كاتبة نص شديد الجمال، بتقول فيه "الحب للشجعان". قبلها بكتير كان الشيخ إمام بيغني "شرط المحبة الجسارة"، ودي جملة أنا مصدقاها وبحبها. النهارده بس حطيت جملة لولو "الحب للشجعان" جمب جملتنا الشعبية الأثيرة "السجن للجدعان"، ولقيت نفسي بسأل: ماذا يحدث للجدعان بعد الخروج من السجن؟ ماذا يحدث للجسارة، وللحب؟
دخلت فيلم أبو زعبل ٨٩
الفيلم بيحكي عن كام أسرة اتقبض على أربابها في قبضة ٨٩ على خلفية مواقفهم السياسية المناصرة لإضرابات عمال الحديد والصلب. بذكاء وحساسية وشجاعة منقطعة النظير، الفيلم بيشرّح التجربة وأثرها على اللي اتسجن، والأهم، ع اللي فضلوا بره مستنيينه. الفيلم بيأكد إن اللي بيخرجوا مش هما نفس الأشخاص اللي دخلوا، وبالتالي كل العوالم اللي كانت موجودة قبل السجن، بتتلاشى وتحل محلّها عوالم جديدة، باردة ومضطربة. أبطال العوالم الأصلية بيفقدوا، وأحيانًا ما بيطلعوش من السجن أبدًا، لكن بتخرج أبطال جديدة، تخلق عوالم جديدة، بتنزعهم - أحيانًا للأبد - من اللي فضلوا برّه.

لينك من هنا عشان لسه مش عارفة أعمل embed
فيه مشهد بيحكي إزاي أبو البطل بعد خروجه من أبوزعبل، استعادة حيويته القديمة لفترة لما قرر يساعد من عمال الصلب عشان يكسب الانتخابات في معركة شرسة وغير متكافئة. كل الجهد، الحماس، والإيمان أثناء إدارة الحملة، نشوة النصر لما كسب العامل فعلًا برغم كل حاجة، الاحتفال الأسري الحميم في الحديقة اليابانية، ثم قرار العامل بعدها إنه ينضم للحزب الوطني عشان "يخدم مصالح العمال بشكل أفضل".
شايفاها كانت محاولة أخيرة للعثور على معنى ما يبرر تجربة السجن. محاولة شجاعة وجسورة، لاستعادة العالم القديم، عالم ما قبل السجن، وإنعاش أبطاله المنهكين، انتهت بتأكيد قاسي على استحالة استعادة العالم دا وأبطاله. لحظة مزلزلة، قاسية ومنحطة. بعدها بيقرر الأب يسافر، يبعد عن الأنقاض، ويدور على مكان جديد، بدون أشباح لذوات قديمة ما بقتش موجودة، حياتها، ومعاناتها، وتلاشيها الحتمي، سهل يبانوا في لحظة زي دي بلا أي معنى. من أول ما قعدت في السينما والفيلم اشتغل وأنا عايزة أعيط، وعارفة إني هعيط. المشهد دا هو اللي خلاني أعيط. ما بطلتش عياط لآخر الفيلم.
أبو زعبل ٨٩ بيتكلم على قبضة طالت ٥١ أسرة، فطبيعي السؤال اللي ييجي في بالي، يمكن في بال أي حد، كام حد اتسجن في السنين اللي فاتت؟ كام حد مسجون دلوقت؟ كام حد لقى نفسه مستني رجوع شخص، حتى لو رجع، مش حيبقى نفس الشخص اللي دخل أبدًا؟ كام مرة كان ممكن استيعاب الذوات الجديدة المنهكة الخارجة من التجربة دي والتعرف عليها من جديد، بره أشباح ماضيها، وكام مرة مكانش ممكن؟ كام مرة خلص الحب؟
بواسي نفسي إن يمكن محض القدرة على عمل فيلم زي دا، بكل الشجاعة والحساسية دي، يقول إنه ما خلصش قوي يعني.