شيء ساحر جدًا في خلفية كل شيء

جنّة عادل

. 5 د قراءة

A Masque for the four Seasons - by Walter Crane


من لحظاتي المفضلة في السنة اللحظة اللي بحس فيها بتغيير الفصول. بقى لي حوالي ٥ سنين بلقطها. في آخر ٣ سنين مثلًا بلقطها عادة وانا واقفة جمب شباك المطبخ. فيه نسمة معيّنة بتقولي "الربيع وصل" أو "الصيف خلص". عادة بتبقى قبل تاريخ الاعتدال بأيام وأحيانًا أسابيع. أنا شخص حساس جدًا للحرارة. مثلًا بنام قتيلة في العادي، لكن أسهل حاجة تصحيني إن درجة حرارة المكان تتغيّر. مزاجي كمان بيتأثر بالحرارة جدًا، معادلتي الخاصة:

درجة عكننة زيادة لكل درجة سيليزيوس فوق الـ ٢٧، درجتين عكننة لكل درجة فوق الـ ٣٠، و١٠ درجات عكننة زيادة لكل درجة سيليزيوس فوق الـ ٣٥. فوق الـ ٤٠ سيليزيوس ببقى dysfunctional.



مع ذلك أول مرة آخد بالي من وصول الربيع مكانتش بسبب الحرارة، كانت بسبب زهرة. زهرة خوخ تحديدًا. كانت سنة الكوفيد، وكان عندي كل الوقت والمساحة للمراقبة اللي في الدنيا. كنت وقتها ساكنة على روف متسوّر بالزرع، وفي يوم عادي جدًا لاحظت زهرة صغيرة بتتفتح في شجرة الخوخ. كانت لحظة سحرية فعلًا. الوردة خلّتني آخد بالي من درجة الحرارة، بس قبلها غرقت في حالة دهشة عميقة، أصل بجد، امبارح ما كانتش موجودة، النهارده بقت موجودة! سحر دا ولا إيه؟

من وقتها واللحظة دي، إنبات زهرة أو ورقة أو جذر، بتطير عقلي.


أنا مش أشطر حد في مراعيّة الزرع، بس عندي في بيتي دلوقت نبتة بوتوس (لبلاب)، الوحيدة اللي صامدة معايا للعام الرابع على التوالي، وتتعب وتفوق وتنشف وتنتعش، بس ما ماتتش كليًا والحمد لله. كل مرة بلاحظ ورقة جديدة بحس إني بشهد معجزة صغيرة. معجزة شديدة العادية. بسرح أحيانًا في وعي الزرعة بنفسها، يا ترى الزرعة مدركة قد إيه اللي بتعمله دا مدهش؟ مدركة المعجزة؟ ماظنش.  أعتقد الزرعة واخدة الموضوع ببساطة أكبر. عادي. مانا زرعة، طبيعي أطلع ورق جديد، أمال انت جاية عمر أفندي؟ وللزرعة أقول: أيوه ما العادي دا معجزة في حد ذاته!



اللي بيطيّر عقلي في اللقطة دي حاجتين، أولهم، بواقي انبهار طفولي (بعتز جدًا بإني لسه ما فقدتهوش) بفكرة إن شيء مكانش موجود وفجأة يبقى موجود، زي ما الأمهات بتلعب مع عيالها، تستخبى ورا الكنبة مثلًا وتظهر فجأة، فالعيال تنبهر جدًا. 

من كام سنة قريت إن دي ظاهرة معروفة في نمو الأطفال اسمها الـ object permanence، أو "الديمومة". أعتقد اللي لاحظها وصكّ المصطلح كان جين بياجيه. بياجيه كان شايف إن انبهار الأطفال الشديد لما نلعب معاهم "بخ"، أو بكاءهم الهستيري لما حاجة تختفي من قدامهم، جاي من عدم قدرتهم على استيعاب إن الحاجة بتفضل موجودة، حتى لو احنا مش شايفينها دلوقت حالًا. بالنسبة للأطفال، لو ماما اختفت ورا الكنبة، فهي - حرفيًا - اختفت من الوجود. كفّت عن الوجود (وبالتالي ظهورها مرة تانية كإنه خلق جديد، ودا يفسر الجذل والحماسة المبالغ فيها). لو شلنا اللعبة من قدامهم فاللعبة كفّت عن الوجود (وإذًا الطفل بيشعر بأسى حقيقي، والمندبة مفهومة ومُستحَقة). بالوقت الأطفال المفروض يتجاوزوا المرحلة دي ويستوعبوا ديمومة الأشياء حتى لو خرجت عن مجالهم الحسي. نظرية مدهشة في حد ذاتها طبعًا، بس رجوعًا للي كنت باقوله، ظهور الورقة النهارده، مش معناه إنها ما كانتش "موجودة" امبارح، لإن كل العمليات المؤدية لظهورها كانت شغالة بالفعل يمكن من قبلها بأسبوع مثلًا، كل الحكاية بس إنها كانت برّه مجالي الحسّي والإدراكي. دا يودينا للنقطة التانية اللي بتطير عقلي، دقّة وهشاشة العمليات دي نفسها. المعادلة اللي بتسمح بتكوين ورقة جديدة معادلة دقيقة جدًا، وهشة جدًا. نسبة رطوبة معيّنة، تغذية معيّنة، إضاءة معيّنة، حرارة معيّنة، تعداد معيّن من أنواع معيّنة من الكائنات الدقيقة، وكل دا لازم يظبط وفي نفس الوقت عشان البوتوس تدي ورقة جديدة. بقول إنها معادلة هشّة ودقيقة لإني شفت عشرات الزرعات معادلتها ما ظبطتش، فما ورّقتش، أو ماتت خالص.

أظن احتمالات الموت أكبر بكتير من احتمالات الحياة بشكل عام، وبالمعنى دا - واللي عايز يعتبرها قفزة منطقية يتفضّل - الحياة، ظهورها واستمرارها، معجزة مستمرة في حد ذاتها. 






كنت بقول إنه عادة بحب انتبه للحظة تغيير الفصول على بوصلتي الشخصية بغض النظر الأيام والتقويم بيقولوا إيه. كإنها بتبقى لحظة تجلّي لشيء كان طول الوقت شغّال في الخلفية، في هدوء شديد جدًا. قادرة أفهم تمامًا الافتتان الوثني باللحظة دي. كل القصص والخرافات والطقوس اللي البشرية اخترعتها للتعامل معاها. لحظة مهيبة فعلًا. اللحظة اللي ماما بتطلع فيها من ورا الكنبة. لحظة استعادة الديمومة، أو استعادة الاتصال بالتدفق دا اللي حاصل طول الوقت في الخلفية، ومش مشغول قوي باختراق مجالنا الحسي تعبيرًا عن نفسه. 


السنة دي ما انتبهتش لوصول الربيع. نهاية الشتا كانت جاية مع احتدام الحرب في غزة، حسيت طبعًا بالشتا وهو بيخلص بدري ودرجة الحرارة وهي بتعلا قبل معادها بكتير، وقلت لنفسي أكيد كل المتفجرات اللي جمبنا هي السبب. دا مش الربيع، دي المحرقة. كانت ملاحظة تعيسة، لكنها مش أشدّ تعاسة من اللي حاصل كلّه.


امبارح انتبهت لنسمة الخريف الأولى. الخريف بالذات بحسه متردد.. آجي؟ ماجيش؟ كإنه بيبعت نسمة الأول تشوف إيه الدنيا. هل الحياة مستعدة لوصولي ولا لسه شوية؟ ومعرفش فعلًا فعلًا إزاي بميّز النسمة دي بالذات إنها مرسال الخريف، مش نسمة صيف عادي. بحب نسيم الصيف وكل حاجة، بس فيه حاجة بتميّز النسمة دي كل سنة، بتخليني أقول هو دا. جاي. بيجس نبض وجاي. 


مبسوطة إن الخريف عايز ييجي بدري السنة دي. يمكن رفقًا باللي قضوا الصيف في خيام مشتعلة، وبينا احنا اللي قضينا السنة بنتفرج عليهم ومش عارفين نعمل لهم أي حاجة. تذكير مبكر قليلًا بالديمومة، المبدأ دا اللي مفروض أصبحنا مدركينه بتجاوزنا لبواكير الطفولة، لكنه أوقات كتير بيغيب عننا تمامًا. بإن الحياة لسه شغالة في الخلفية، خارج إدراكنا الحسّي، مستمرة، وهتكشف عن نفسها في لحظة تجلّي قريّبة.