أيها الصديق المحتمل،
بإمكاني الكذب عليك، تلك فرصتي في الظهور بثوب جديد أمام شخص لا يعرف عني شيئًا بعد، لكن..
أنا لستُ بخير الآن، ربما أنا في انتظارك
من الممكن أن نكون التقينا سابقًا، أو اشترينا قهوة من نفس المكان،
ربما تقاطعت طرقنا أو حدّقنا إلى نفس اللوحة في المعرض،
ربما لمسنا بأيدينا نفس الكتاب، أو قرأنا الإهداء ذاته.
صديقي،
سأخبرك بعضًا عني، علّ ذلك يساعدك في التعرف إليّ أسرع
أنا طبيبة إمتياز على وشك الخروج إلى الساحة، لكن دعنا من الطب، فهو آخر ما يشغل بالي الان، ثمة ما هو أهم؛
يخبرونني أني ناجية، أحاول طوعًا في الحياة،
أصارع من أجل البقاء، وأطارد بعض الأحلام، أحدّث النجوم ليلًا، وأقبّل الشمس في الصباح التالي،
أبحث عن المعنى، وأعيش بغية تكوين ذكريات دافئة، دافئة بما يكفي لأنجو بها في بلاد العزلة، يقولون أنها باردة طوال السنة، لابد أن أعدّ نفسي جيدًا حينما يجب الرحيل.
لا أعلم لما ناديتك صديقي، لعل ذلك أملًا مني لئلا تكون درسًا آخر من الحياة، لقد سئمت الدراسة، ظللت سنوات عدة أتلقى دروسًا شتى من معلمتي "الحياة"،
أريد أن أنتقل للمرحلة التالية، أريد دخول المضمار، يكفيني ما فهمته وحفظته،
الآن أريد الخوض والتوغل،
تخبرني معلمتي أن عليّ الصبر، والتمهل إلى أن تنتهي العشرينات
لا أستطيع
الثلاثينات بعيدة للغاية، ما الحل يا رؤوف؟
نعم، سأسميك رؤوف، صديقي العزيز الغريب الذي لم ألتق به بعد، طمعًا في أن يصبح لاسمك دلالة ويكون لي حظٌ فيه.
أيا رؤوف،
لما لا يشتاقون؟ أليس في مدينتهم ليل؟
ولما أشعر بالوحدة على الدوام؟ رُغم أني في مدينتي، داخل منزلي، وسط عائلتي
عندما تأتي سأحدثك عن الحب طويلًا، كيف هو شيءٌ طالما حلمت به لكن لم ولن (على الأغلب) أجربه،
سأحدثك عن الأماني وعن الأغاني، عن ليالي الشتاء الباردة طقسًا لكن دافئة شعورًا، عن الحنين الذي يبتسم لي دائمًا هامسًا بخبث: أين المفر؟
سأحدثك عن الحرب الأهلية في السودان وعن كيف استخدمتها في إنشاء محتوى تسويقي بارع،
عن مرض السكر الذي أقوم ببحث عليه الآن.
أو ربما لا، ربما سأصمت، وسأتشارك معك لذة السكوت، سنرتشف من كوب القهوة المرّة ونمتعض معًا ثم نتأمل السماء.
تلك لن تكون رسالتي الوحيدة، انتظر مني ورقيات عدة حتى يحين الموعد
وينونة (سأخبرك معناه حينما نعتاد بعضًا).
يتبع.
