
جالسًا في غرفته، كـ بيانو مغلق وتجمعت عليه ذرات التراب، في يده كأسٌ مليء بالويسكي الذي خُيِّل إليه أن فيه النسيان،
على جانب كرسيه جروٌ شارد، تارةً ينظر إليه وتارةً يحدق في الفراغ، وكتابٌ على جذعه مبلل بالمياه، أظنها دموع.
هلا نفتح أولى صفحات الكتاب ونقرأ معًا؟ ربما نفهم ما المصيبة التي حلّت على سكان هذه الغرفة.
عنوان الكتاب: "مواساة فاترة"
أحقًا؟
هل لهذا معنى؟
مواساة تحمل فتور؟
يقولون لك أن الحياة ستكسرك، لكنهم لا يخبرونك أنها أحيانًا ستكسرك عمدًا لتعطيك "ضمادًا" لاحقًا، وتنتظر منك أن تشكرها.
تلك اللحظة التي تأتي فيها المسكنات بعد فوات الأوان، بعد أن تم بتر الجزء المؤلم، بعد أن استوى القلب على الجانبين فوق شعلة النار، وبعد أن كفرت بكل معاني العدل.
تأتي بجبروتها محاولةً تجميل الندبة، وتضع فوق رأسك تاج أكبر المغفلين وأقل الحالمين حظًا، لكنه تاج.
تأتيك متباهية وكأنها تخبرك أن الطعنة كانت ضرورية لتصل لهذا المكان، كذبةٌ لا نملك سوى تصديقها؛ حتى نستمر.
تأتي الحياة أحيانًا بـ "طبطبة" باردة بعد أن أهلكتنا ضربًا، تضع في يدك ما كنت تبكي لأجله بالأمس، ليس حبًا فيك، بل لتُصمتك عن المطالبة بحق قلبك الذي تهشم.
هي لا تراضيك، هي فقط تمارس الألعايب، كالأنثى، أوليست الحياة أنثى؟
ما أصعب أن تنال مرادك في الوقت الذي فقدت فيه الرغبة!
تعوضك بـ المال، بعد أن فقدت الأمان.
تمنحك الاعتذار، بعد أن جفّت منابع الغفران.
تفتح لك الأبواب، بعد أن كسرت فيك الشغف بالعبور.
الحياة ذكية جدًا،
هي تعلم أننا لو ظللنا في قاع الوجع، سنثور أو ننطفئ تمامًا، لذا تمنحنا "جرعات مخدرة" على شكل نجاحات صغيرة أو صدف سعيدة، لتقنعنا أن "كل شيء سيكون بخير".
لكن الحقيقة أن هناك كسورًا في الروح لا تُرممها نجاحات الدنيا،
وهناك طعنات تترك أثرًا لا تمحوه كل مراضات العالم.
لا تظن أنها تراضيك لأنها ندمت،
هي تراضيك لأنها تُريد استئناف اللعب بك في جولة جديدة.
هيا، فلنجرب العزف على هذا البيانو، ونرتشف من الكوب، ونهدهد الجرو الصغير،
لا تقلق؛ بحوزتي روشتة "النسيان"
انتظرني قريبًا، ثمة معركة مازلت أخوضها مع الحياة، وسأحاول هذه المرة أن أنتصر.
يتبع.