حبة دواء ثم كل شيء

لبنى علاء

. 3 د قراءة

مرضت الصيف الماضي بسبب حبة دواء، هل هذا ممكن؟ نعم، هل هذا شائع؟ لا، هل أنا سيئة الحظ؟ نعم. 


خلال رحلتي مع الأطباء النفسيين بدأت رحلة مع طبيبة جديدة لعلها تجد علاج للعلة التي بعقلي، وصفتلي الدواء، ثم بدأ كل شيء. انتفخت شفتاي في البداية، ثم طفح جلدي بوجهي ورقبتي، ذهبنا للمستشفى، حساسية دوائية اوقفي الدواء، أوقفته، لكن كل شيء آخر لم يقف. انتفخت شفتاي مرة أخرى، قرح بالفم، زاد انتشار الطفح الجلدي، درجة حرارة مرتفعة لا تنخفض، ذهبت للمستشفى مرة أخرى، اشتباه في اصابتي بالحمى الألمانية. بكيت لزوجي، أريد النوم، خذني للبيت. بكيت للممرضة التي زرعت الكانيولا في يدي، ليست بالمكان الصحيح، تخبرني بضجر ألا أقلق، تؤلمني، مازالت أعصاب يدي مصابة حتى الآن، لم تكن الكانيولا بالمكان الصحيح. 


كنت أريد أن أصبح طبيبة. في طفولتي ظننت التشخيص والعلاج أمرًا سهلًا مادام الطبيب مجتهد، كنت أتصور أن لكل مرض قائمة من الأعراض وقائمة من العلاجات، أمرًا بسيطًا للغاية عليك فقط الاستذكار! كبرت ودرست فرعًا بعيدًا من فروع الطب وأدركت سذاجتي. لكن أن أمرض بسبب حبة دواء؟! 




لم يطببوني في المستشفى، ذهبت لطبيب المناعة والروماتيزم الخاص بي، كان لتوه قد شخصني بالفيبروميالجيا، طلب أخذ عينة من الطفح الجلدي للتحليل، أرسلني لطبيبة جلدية زميلة أربكتني، كانت شديدة القسوة في أخذ العينة، وشديدة اللطف في الزيارات التالية، ثم ساءت مرة أخرى ثم تلطفت في زيارة قريبة. تركت ندبتين موضع العينات التي قطعتها من جسمي، أتحسسها يوميًا لأتيقن من أن ما حدث كان حقيقة وليس كابوس ملح. زاد الطفح الجلدي ليشمل جسدي العلوي كله وبدأ بالزحف على قدمي، تقرحات فمي زادت حتى استحال الأكل والبلع، بكيت، أشفقت على زوجي الذي عليه أن يتحمل كل تلك الدراما، لامني على اعتذاري. جاءت نتيجة التحليل. 


Stevens Johnson Syndrome


شعرت بنوع من المعرفة السابقة تجاه التشخيص، لا أتذكر إن كنت درسته في مقرر جامعي ما، لكني أعرفه. الكثير من الكورتيزون والعلاجات المثبطة للمناعة، جسمك بياكل نفسه، وعلينا إيقاف ذلك. بطبيعة الحال لا نجد الدواء الرئيسي، ذلك المثبط للمناعة، في أول صيدلية. أخشى الاضطرار للذهاب لصيدلية الإسعاف مرة أخرى - ذهبنا إليها بالفعل فور تشخيصي بالفيبروميالجيا بحثًا عن الليريكا_ لكننا نجده بمعجزة صغيرة. لكن لا يوجد علاج سحري، كما كنت أتصور في طفولتي، العلاج يأخذ وقتًا، خاصة إن كانت الحالة مثل حالتي، جسمًا يأكل نفسه. 


يتورم جسمي من الكورتيزون وينتفخ، يتقرح حلقي وجهازي المعدي بالكامل، أشتاق للأكل، يعدني أصدقائي بأكلات كثيرة فور الشفاء، يراسلني أصدقائي طوال الوقت، أشعر بالونس والشفقة على نفسي، كيف أكون بهذه الهشاشة؟ 


يتناوب علي زوجي وأختي والممرضة التي تأتي لتصلني بالمحاليل التي لن أعيش بدونها، وفي وسط كل ذلك العبث تستيقظ العلة في العقلي لأصاب بنوبة هوس، وكأن العالم لا يوجد به من يمكنه المرض غير لبنى علاء. أصرخ على زوجي، أشعر بالإختناق، أشعر بأنني سأغير العالم. أرسم مع صديقتي ملامح الكتاب الذي سيغير المشهد النسوي في مصر، بل في العالم، يتفكك المنطق في عقلي وأسبح في جنون تام. 


ممنوعة من رؤية أحد بسبب مناعتي المثبطة، أعيش أنا وزوجي وأختي التي أتت من مدينة أخرى لتمريضي في جنون تام يخرج من عقلي المعطوب لأصب اللعنات على كل شيء. أفتقد الأكل، أبكي. يتحول الطفح الجلدي لحروق تغطي أعلاي بالكامل، يحترق وجهي وعنقي، أصرخ، أبكي، يتجمع الدم في اليد المصابة من الداخل بسبب الكانيولا، أصرخ، أنام ويدي مرفوعة حتى ينحسر الألم، أبكي، يغرق العالم ببكائي ولا أموت. 


أحاول كتابة كل شيء لعله يخرج من عقلي للحروف فأهدأ، لا أهدأ. كيف تختصرأسابيع من الألم والجوع والجنون في نص صغير؟ في مثل هذا الأيام ولكن بالعام الماضي كنت مريضة، والآن أنا مريضة بالذكرى. أتحسس ذراعي لأتأكد من خلوه من الحروق فأجد أثرها مازال موجودًا، أتكاسل عن علاجه وكأن بذهابه سيذهب شيء أصيل بداخلي لكن لن ينعكس للخارخ. تألمت، وجعت، وجننت، وشفيت؟