ربما عليك أن تكلم أحدًا

لبنى علاء

. 2 د قراءة



لم أقرأ الكتاب أبدًا، حاولت أكثر من مرة لكن لم تأت فرصة مناسبة، لكني أكتب الآن لأنني أعرف ذلك، علي أن أكلم أحدًا. الثلاث سنوات الأخيرة من حياتي كانت بعنوان المرض والموت، موت أبي، ومرضي. بحثت عن مجموعات دعم كما أرى في الأفلام الأمريكية لكني لم أجد، أشعر بإنفجار يقترب مني، العالم كله أصبح معنونًا بالمرض والموت. 


موت أبي لم يكن الأول في حياتي وقطعًا لن يكون الأخير، لكنه الأقسى، يتملكني شعور ساحق بفوات الأوان، كان علي أن أشاركه حبي بوضوح وكلمات صريحة كما أفعل مع أمي وإخوتي، لكني كنت أخافه، لا أعرف بالضبط لما كنت أخافه، كان لدي أسباب قوية، لكني نسيتها -أو أتناساها- الآن. 


نتعلم كثيرًا كيف نحترم آباءنا ونطيعهم، لكن لا أحد يخبرنا كيف نبادلهم الحب، لا يوجد حب في الصورة، لذلك نحبهم كل بطريقته، كيف كنت أحب أبي؟ بمشاركته في حب أم كلثوم، وتحمل قناة الجزيرة لأطول وقت ممكن، وكيف كان هو يحبني؟ بكل شكل وصورة عدا الكلام، ربما كان تدليله لي، بطة، هو الكلمة الوحيدة التي لديه ليحملها كل حبه، ربما لم يعرف غيرها.


يتسرب أبي من لساني لكل حديث، كما يتسرب الألم، أنزعج من هذا التسلل، أري فيه ضعفًا، أخجل من نفسي، لكن نفسي محملة بما لا تستطيع التعامل معه وحدها، أتصور لو أتيحت لي الفرصة لأقول كل ما يثقل علي بموت أبي وكل ما أشعر به من ألم سيخفف ذلك عني قليلًا، لكن لا فرصة تتاح اذا سأستمر في احراج نفسي بالسماح لهم بالتسلل في كل حديث. 


أتفهم تمامًا عادات الحزن التي تراجعت في زمننا هذا، لم لا نحزن أربعين يومًا بدلًا من طلسقة الحزن ليعود لمطاردتنا طوال العمر بعدها؟ أريد أن أتكلم عن حزني حتى لا أجد كلامًا بداخلي لأخرجه، وأريد أن أتكلم عن ألمي حتى يخفت ولو قليلًا دون أن يُنظر إلي، أو أنظر أنا لنفسي، بشفقة. قتلتنا الفاعلية والسعي المفرط للتجاوز، لماذا علي تجاوز أبي من الأساس؟