كانت هتفرق في الوداع؟

لبنى علاء

. 2 د قراءة

الإجابة الأقصر، والأصدق، هي لا، لم تكن لتفرق في الوداع، وإن فرقت فهو ليس وداعًا حقًا.


الإجابة الأطول، والأكثر مماطلة، أنني كنت أريد توديع أبي وداعًا يستحقه، لكني لم أكن أعرف قيمته الحقيقية بعد، وكأن القيمة تتضح بالغياب. قد يقول البعض إنها قيمة متخيلة، وإنها إن كانت حقيقة كانت ستتضح في حينها، لكني أختلف مع ذلك. قد تعرف الشيء بفقده، كما تعرف الأشياء بضدها.


منحني أبي كل الوقت الممكن للوداع، لكنه لم يعطني الفرصة. لم نكن على وفاق دائمًا، لكننا لم نكن على خلاف أيضًا، كانت حالة من التماهي مع ما هو كائن دون الإشارة لنقصان بالعلاقة. لم يكن هناك فيل في الغرفة، لكن الإشارة بالخلل كانت حتمًا ستفتح الباب على مصراعيه لدخوله.


مرض لعامين أو أكثر، فرصة أطول من المطلوب للمصارحة والمصالحة والموادعة، لكن هل كانت علاقتنا ستتحمل ما أرغب في قوله؟ هل ما كنت أرغب في قوله له ثقل من الأساس؟ أم رغبة طفلة مدللة لعتاب أبيها على غيابه؟ عوّض غيابه بحضوره في مرضه، وعوّض صمته قبلها بجلسات صامتة لمشاهدة أم كلثوم. حين أنظر لحياتنا المشتركة الآن، أجده لم يقصّر حقًا، أنا التي طلبت منه ما لا يقدر عليه، وهذا ليس ذنبه، ولا ذنبي، بل ذنب التوقع، والإطار المثالي الذي تسلل إلى عقلي.


كنت أعرف بشكل ضمني أن هذا وقت الوداع، لكني رفضت تلك المعرفة، وكأن الاعتراف بها يعني حدوثها، وكأن ما هو حتمي قد يتأخر إن أنكرته.


الندم على الوداع الضائع هو ندم في غير محله، يفترض أن للحياة لحظة بداية، ولحظة تصاعد، ولحظة ذروة، ولحظة تفريغ، ولحظة نهاية. لكن الحياة غير ذلك تمامًا، الحياة ليست خطية، وافتراض ذلك هو افتراض سينمائي كلاسيكي، فالسينما الحديثة أيضًا لا تتقيد بتلك الخطية.


هل سأراه مرة أخرى؟ آمل، ولن أحدثه في شيء أيضًا، ما حدث قد حدث، علّمني موته ذلك، ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، وبالوقت، سيدرك أنه تمني في غير محله.