علمونا منذ الصغر أن نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأن نخشاه ونتقي وسوسته، لكنهم لم يعلمونا أننا قد نتورط يومًا فيما يزرعه داخلنا، حتى نظنه حبًا، بينما ليس إلا تعلّقًا يرتدي قناع الحب.
والآن، بعد تلك المقدمة، دعني أفكك الخيوط معك.
لقد وقعت في أحدهم.
بشرًا بالهيئة، وشيطانًا بالمعنى.
كان حاضرًا بما يكفي ليوقظ قلبي، وغائبًا بما يكفي ليتركني أُكمل الباقي وحدي. يراني، يعرفني، ويعبر حياتي كطيف؛ لا أستطيع لمسه، ولا تقييده، ولا الظفر به.
كان يمرّ في حياتي بقدر ما يسمح هو، ثم يختفي، فأقضي الأيام التالية أستكمل ملامحه من ذاكرتي. أضيف إلى صمته كلمات، وإلى غيابه أعذارًا، وإلى بروده دفئًا لم يمنحني إياه يومًا.
لم يكن مضطرًا للكذب.
توليتُ أنا المهمة كاملة.
بنيتُ منزلًا في غيابه، لأنقذ أوهامي، ثم عشت أنتظر عودته، وكأنني كنت على يقين أنه سيختار السكن في بيتٍ لم يعلم يومًا بوجوده.
نحن، بنو آدم، مثيرون للشفقة.
لا نحتاج إلى حضورٍ كامل كي نقع في الحب.
يكفينا غيابٌ واسع، فنملؤه بأنفسنا.
يا لكرم الفراغ.
يعطينا مساحةً كافية لنكتب الحوارات التي لم تحدث، ونعيش المواقف التي لم تقع، ونصدق الوعود التي لم تُقطع أصلًا.
ثم نستيقظ يومًا لنكتشف أننا لم نكن نحب إنسانًا، بل النسخة التي أنقذناه بها من غيابه.
أتعلم ما الذي يفعله الوهم بالإنسان؟
يجعله يشك في ذاكرته، ثم في منطقه، ثم في نفسه.
يجعله يقف أمام الحقيقة، ويجادلها دفاعًا عن خيالٍ صنعه بيديه.
ولعلّ هذه هي وسوسة الشيطان الحقيقية…
أن يقنعك بأن ما صنعته مخيلتك أكثر صدقًا مما رأته عيناك.
وبالله…
قل لي، كيف ينجو المرء من شيء يسكن رأسه؟
كيف يفرّ من خصمٍ لا يعيش خارجه، بل داخله؟
لقد حاولت أن أكرهك، فلم أستطع.
ثم حاولت أن أكره النسخة التي صنعتها منك…
فاكتشفت أنها أنا.
ولهذا، لا أخشى أن أفقدك.
أخشى أن أفقد الطريق إلى الواقع.
ففي نهاية المطاف، سيحدث شيءٌ واحد:
إما أن أتعافى…
أو أن ينجح الوهم أخيرًا في إقناعي بأنه كان الحقيقة منذ البداية.