هلّا علّمتني القراءة رجاءً؟

محمد طارق الموصللي

. 7 د قراءة

قبل عقد، وجدتني في موقف مفاجئ. فبعدما اشتهرت بعض مقالاتي بين عشية وضحاها، تواصل معي رئيس تحرير إحدى الصحف المرموقة؛ يسألني عن إمكانية التعاون بيننا. في لحظة غرور، اقترحت فكرة مقال "كيف تقرأ 30 كتابًا في شهر بل وتستوعبها تمامًا؟".

ولم يعوزني شيء لتحويله إلى مقال فيروسي آخر:

- يعشق معظم الناس المحتوى الذي لن يتبعوه أبدًا.

 - عامل الصدمة SHOCK factor.

- تجربة شخصية (كنت -آنذاك- قد قرأت أكثر من 30 كتابًا خلال شهر).

 

لا تسألني كيف فعلتها، ليس لدي أدنى فكرة، كما أنني نسيت معظم تفاصيل تلك الكتب الثلاثين!

 

الآن، بعد مرور كل هذه السنوات، أنا ممتنٌ لعدم كتابة ذاك المقال؛ وإلا لجعلت نفسي "مهزلة". أعتبرها من المرات القلائل التي أثمرت فيها مماطلتي.

 

اليوم، أحب القراءة مثلما كنت في طفولتي، إنما تغيّرت طريقة قرائتي -بشكلٍ كبير- على مر السنين. دعني أخبرك كيف.

لماذا أقرأ؟

كلما كبرت، زاد كرهي للناس. أعتقد أن معظمهم أغبياء ومخيبون للآمال. فعوض إضاعة وقتي في التفاعلات غير المُرضية، أقضي -الآن- وقتًا أطول في تقليب الصفحات؛ حيث أعثر على روابط أعمق وأفيَد.

 

فكر في الأمر: غالبًا، يكرس الكاتب سنوات، وربما حياته بأكملها (على الأقل في الأيام الخوالي) لتأليف كتاب. وكل ما أحتاجه للوصول إلى حكمته (بطاقة المكتبة). إنها صفقة مذهلة عندما تفكر في عائد الاستثمار. صحيح؟

 

كثيرًا ما نتحدث عن أهمية التشبيك وملاقاة الأشخاص المناسبين وإيجاد الموجهين والمعلمين. وإن كانت تلك السُبل قيّمة، إلا أنها ليست دائمًا ممكنة أو مثمرة.
في المقابل، أرى في الكتب والمدونات الصوتية "البودكاست" بدائل رائعة للموجّهين في الحياة الواقعية؛ أشبَه بأصدقاء أذكياء يعلّمونك عن الحياة (دون التعامل مع متاعب العلاقات الفعلية).

 

 

"تزخر الكتب بكنوزٍ أكثر من كل ما نهبه القراصنة في جزيرة الكنز"
- والت ديزني

 


 

على مر السنين، طوّرت بعض الاستراتيجيات التي غيرت تجربتي في القراءة. قد تخالف بعضها المنطق (من وجهة نظر كُثر)، لكن ثق بيّ، لا شكّ في فعاليتها.


 

1. توقف عن القراءة (نعم، حقًا!)

لتكون قارئًا عظيمًا، عليك تعلّم كيف تمتنع عن القراءة.
ربما تعززّ التكنولوجيا والإنترنت فرصة اكتشاف المواهب المذهلة وانتشار نتاجها. ولكنها تساعد -أيضًا- في مضاعفة عدد الكتاب غير الموهوبين الذين يدفعون أعمالهم. أعرف ذلك، فأنا أحدهم.

نعيش في عصر فيضان المعلومات. لدينا اليوم، وأكثر من أي وقت مضى في التاريخ، كمية هائلة من الكتب والأعمال السيئة. يتضمن ذلك كل شيء بدءًا من النشر التقليدي وحتى منشورات صَبستاك Substack.

 

لنتحدث بلغة الأرقام:

* حوالي 90% مما نصادفه -وبصراحة- هراء محض!

* أما ما قد يعتبر "شِبه لائق"، فنسبته أقل من 10%

* جزء صغير فقط -ونتحدث عن نسبة مئوية من رقم واحد- هو ما يوصف بالكتابة العظيمة التي تغيّر حياة المرء.

 

عادةً ما يكون القراء العظماء منسحبين عظماء، فغالبًا ما تكون كتبهم "المركونة جانبًا" أكثر من "المنتهية".

 

تذكر أن كل كتاب عادي تجبر نفسك على إنهائه يسرق وقت قراءة قد تغير حياتك. وكل مقالة مملة تتصفحها تحرمك من محتوى ملهم ومثير للتفكير.

 

ليس الانسحاب فشلاً، بل قرارًا استراتيجيًا بتخصيص مواردك (الوقت والاهتمام) على نحوٍ أفضل.

بعبارة أخرى، أنت تحترم نفسك بما يكفي لتقول: "لا يستحق هذا وقتي الآن".

 

في بعض الحالات، يكون الكتاب رائعًا ومع ذلك يتوجب عليك تركه؛ ربما لست مستعدًا لقرأته، أو لن تتمكن من فهمه كما يجب. 

هنا مكمن جمالية تأجيل قراءة كتاب: أنها لا يكون أبديًا. فالكتب لا تهرب منك، ولا تهجرك أو تبحث عن قارئ آخر! بل يمكنك -دائمًا- العودة إليها عندما تكون مستعدًا.


ماذا لو كنتَ تواجه معضلة حقيقية في التخليّ عن قراءة كتاب؟ إذًا، عليك بالكتب القديمة "الكلاسيكيات"، تلك التي صمدت أمام اختبار الزمن. فإذا مات المؤلف منذ عقود، فمن غير المرجح أن يكون كتابه سيئًا. لماذا؟ لأن الأدب العظيم غالبًا ما ينجو، في حين يميل المتواضع (أو الرديء) إلى التلاشي على مدى عقود أو قرون!

 

تخيّل كيف نجت هذه الكتب عبر الزمن من عدد لا يحصى من النقاد، وتبدّل الأذواق، وتحوّل الأعراف الثقافية. قُرأت هذه الكتب وأُعيدت قراءتها وتحليلها والاعتزاز بها من قبل الأجيال. لا يُشترط أنّ كل كتاب قديم هو تحفة فنية، ولكن تظلّ الاحتمالات بالتأكيد في صالحك.


2. اقرأ ببطء.. أقصد ببطء حقيقي!

ستصادف عدد لا يحصى من المقالات حول القراءة السريعة. وكدت أكتب واحدة ذات يوم. ولكن إليك الحقيقة الصادمة: تلك من أسوأ الممارسات!

 

لطالما كرهت الكتب الصوتية (باستثناء السير الذاتية و الروايات). ولم أدرك السبب إلا لاحقًا؛ كان بإمكاني إنهاء الكتاب أسرع، لكن عجزت عن التفكير أسرع. أحتجت إلى وقت للتفكير في المحتوى، ولم تكن تُتيحه ليّ الكتب الصوتية. أما الآن فأستخدم الكتب الصوتية لأتذكر ما قرأته.


سرعة القراءة ليست سوى مقياس تفاخر! لن يهتم أحد بعدد الكتب التي قرأتها هذا العام أو مدى سرعة قراءتها (ما لم تكن تكتب مقالًا عن القراءة السريعة أو تضع روابط تسويق بعمولة للكتب التي من المفترض أنك قرأتها🤨).


تتيح القراءة المتأنية طرح الأسئلة وتدوين الملاحظات وبناء أفكار جديدة بناءً على ما تعلمته للتو. فإذا لم تخرج بفكرة جديدة -واحدة على الأقل- بعد قراءة كتاب، فالأرجح أنك قرأت كتابًا لا يُناسبك.

 

قراءة كتابٍ رائعٍ بتأنٍ ورويّة أفضل بكثير من إلقاء نظرة سريعة على كتب قائمة الأكثر مبيعًابأكملها لمجرد التفاخر بها على وسائل التواصل الاجتماعي.

 

عندما تقرأ بأناة، فأنت لا تستهلك معلومات فحسب. وإنما تنخرط في حوار مع المؤلف، وتتحدى افتراضاتك الخاصة، وربما تعيد تشكيل نظرتك للعالم.

 

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للقراءة.


3. اقرأ مرارًا وتكرارًا


فإن كان الكتاب رائعًا حقًا، فيجدر بك إعادة قراءته كل عام. إذ ستتعلم -كل مرة- شيئًا جديدًا.

كيف؟ لأن كل قراءة بمثابة تجربة جديدة. حيث أنك لستَ ذات الشخص الذي كنته العام الماضي. إذ مذ قراءتك الأخيرة، مررتَ بتجارب أكثر، وتعلمت أشياء جديدة، وربما غيرت بعض وجهات نظرك. كل هذا يؤثر على كيفية فهمك للكتاب وارتباطك به.

 

عندما تعيد القراءة، ستلاحظ الأشياء التي فاتتك من قبل. يمكن للأفكار القديمة أن تبدو مختلفة وسط "الاستنارة الجديدة".

تتمحور إعادة القراءة حول [النمو] مع الكتاب، والسماح له بالكشف عن طبقات معنى جديدة بينما تنميّ نفسك.

 

لذلك، لا تخجل من الإمساك بكتبك المفضلة مرة أخرى، فهي كالأصدقاء القدامى: مألوفون ومريحون، ولديهم -رغم ذلك- القدرة على مفاجأتك وتعليمك شيئًا جديدًا.

 

ليس الهدف من القراءة أن تقرأ أكثر، بل أن تقرأ المناسب.


4. استعن بالذكاء الصُنعي AI

كل يوم، نسمع الشكّائين من تدمير الذكاء الصُنعي كل شيء، تمامًا كما اشتكى الجميع من وسائل التواصل الاجتماعي قبل 10 سنوات. وقد أخبرتكَ -لو تذكر- ما يجعل الذعر من الذكاء الصُنعي أزمة مُختلَقة.


لن يدمر الذكاء الصُنعي حياتك، بل سيُحدِث ثورة في كيفية قراءة المعلومات ومعالجتها.

 

وإليك كيف بمقدوره تحسين تجربتك القرائية:

 

(@) اعتبره "مصفاة جودة": يمكنه منحك ملخصًا أو تحليلًا سريعًا للكتاب قبل أن تستثمر وقتك في قراءته. ما يوفّر عليك ساعاتٍ من قراءة كتاب سخيف!


(@) ماذا لو جعلته نادي الكتاب الافتراضي؟ تخيل تحويل "شات جي بي تي" إلى نسخة افتراضية من مؤلفك المفضل! تخيّل قدرته على مناقشة الأفكار معك. وإجراء محادثات متعمقة حول المفاهيم المعقدة، والحصول على وجهات نظر ورؤى جديدة.

 

(@) التأمل بعد القراءة: إحدى استخداماتي المفضلة للذكاء الصُنعي في جعله يطرح عليّ أسئلة بعد إنهاء الكتاب، مما يساعدني على التفكير فيما قرأته ويعزز فهمي.

 

تذكر أن هدف التكنولوجيا تحسين قدراتك إذا احتضنتها. والذكاء الصُنعي -تحديدًا- ليس هنا ليحل محلنا، بل لتعزيز جودة حياتنا. وباعتبارك إياه رفيقك في القراءة، يمكنك استكشاف الأفكار بشكل أعمق، والاحتفاظ بالمعلومات على نحوٍ أفضل، بحيث تصبح -في النهاية- قارئًا أكثر تفاعلاً وبصيرة.


 

لا أعرف ناجحًا واحدًا ليس قارئًا نهمًا!


انظر إلى بعض أكثر المليارديرات نجاحًا في العالم:

$ يقضي وارن بافيت، حوالي 80% من يومه في القراءة. ويُقدّر أنه يقرأ 500 صفحة يوميًا.

$ يقرأ بيل جيتس حوالي 50 كتابًا سنويًا ويشارك توصيات كتبه بانتظام.

$ حين سُأل إيلون موسك عن كيفية تعلم بناء الصواريخ، أجاب ببساطة: "أنا أقرأ الكتب".

$ يخصص رجل الأعمال مارك كوبان Mark Cuban ثلاث ساعات يوميًا للقراءة.

$ تُرجع أوبرا وينفري الفضل في الكثير من نجاحها إلى الكتب، كما ألهمت الملايين من خلال نادي الكتاب الذي انشأته.

 

لا تعني القراءة إثارة إعجاب الآخرين، وإنما إبهار نفسك.

 

التقط كتابًا اليوم. وامنحها فرصة لمفاجأتك، لتعليمك، لإلهامك. ومَن يعرف؟قد تكون الصفحة التالية التي تقلِبها ما سيغير حياتك.

ففي نهاية المطاف، نجح الأمر مع بافيت، وجيتس، وماسك، والآلاف غيرهم. فما المانع أن تكون التالي؟

 

قراءة ماتعة عزيزي محب الكتب 🥰