رسالة إلى سانتا

فريال أحمد

. 4 د قراءة

عزيزي سانتا كلوس،


أأتتصور أن تلك المرة الأولى التي أكتب لك أبدًا؟

من الصعب تخيل طفلة بشاعريتي وخيالي الواسع لا تدق لائحة أماني مطولة! صدقًا أشعر بالإهانة لك.. لم أترك جماد دون محاورته! حتى الأغاني، ساعات أردد كلماتها وساعات أخرى اتحاور مع المغني.


لا بأس، دعنا نبرم عقد صداقتنا من اليوم. 

كيف حالك؟ هل تقرأ كل رسائل الأطفال؟ هل تستقبل رسائل من الكبار؟ هل تتبادل الرسائل مع أي شخص؟ من يستمع لك؟ ألديك صديق تفصح له عن حالك؟ هل 'سانتا' اسمك الحقيقي؟ كم عمرك؟ هل وقعت بالحب، أو تزوجت؟ والأهم، ما هي أمنيتك لهذا العام؟


أحب التشابه اللفظي بين كلمتي 'أمنية' و'إيمان'، الأمنية هي رغبة مرجوة عما يطلبه الإنسان ويشتهيه قلبه، أما الإيمان هو التصديق دون الحاجة لمبررات منطقية مفرطة. لم أؤمن بوجود سانتا كلوس. عرفتُ منذ صغري أن الحصول على مبتغاي ليس بهذه السهولة، لن أكتب أمنياتي وتتحقق من تلقاء نفسها هكذا. عرفتُ أيضًا قيمة الأموال، وأن لا شيء أبدًا بالمجان وإن كلفك عملة أخرى غير المال. 


أحيانًا كنت أتمنى شتى الأمور في الخفاء. أتمنى، أدعي، ألح واترجى.. آمل كثيرًا في السر حتى لا أحبط إذ لم أنل مبتغاي، أو إذ يأست في المنتصف وصرفت نظر وقررت الاستسلام، فلا يعيب على همتي أحد أو يدفعني للمحاولة مرة أخرى. 

على هذا المنوال طمحت نحو أشياء عديدة وأبقيها سرٍ حتى عن نفسي.


عزيزي سانتا،


لا تقلق. أنا بخير، مع بعض مشاعر مختلطة تجاه عام ٢٠٢٤. 

أعني، أنا لستُ الشخص الذي كنت عليه بيناير الماضي، ولا يوجد ما يحزنني في ذلك. ربما سأكتب لك نفس العبارة بيناير المقبل، ولا يوجد ما يزعجني في ذلك.


استكملت دراستي العليا في يناير الماضي، ورغم مجهودي الهائل إلا أني لم أتفوق أكاديميًا كما تمنيت. طبعًا لم أفصح لنفسي عن رغبتي في التفوق الأكاديمي من الأساس، ولا عن رغبتي في التقدير معنويًا وأكاديميا من أساتذتي. لا أقوى على الإحباط الناجم عن فشلي في شيء. أي شيء. أفضل قول أني لم أحاول عن الاعتراف بالمحاولة وفشلي بها. لذلك، أتحايل على الموقف حتى يضوي نجاحي، فأتجرأ على إعلان أمنيتي التي خبأتها بعناية مسبقًا.


في فبراير، احتفلت بسنوية علاقة رأيت نهايتها على الأبواب، لكني تحايلت على الموقف مجددًا واحتفلت. لم استطع حينها تحمل تكلفة قلب مفطور، وتعلمت مع الأسف، إن طريق العودة يطول نسبيًا مع استغراقي في غفلة التجنب. هذه التذكرة أغلى من السقوط وإعادة الاتزان من جديد. 


أقدر على الجهر بالأماني في مارس مع حلول شهر رمضان. أتجرأ أكثر فأكثر، أطلب كل ما أخشى خسارته وما قد لا أقوى على تحمله إذ لم أصبِ. ثم أحاول في أبريل ومايو أن أسعى لتقبل الأمور التي لا أستطيع تغييرها، وتغيير الأمور التي أقدر عليها.


في الربع الثالث من ٢٠٢٤ تملك مني الخوف. أغدو خطوة للأمام وأثنين للوراء. في امتعاض وغضب نحو العالم، تمنيت لو تأتي لي كل الأشياء على طبق من الفضة. لما لا تطرق المعجزات بابي لو مرة؟ هل تشبثت بمقبض الباب، مجددًا، حتى خلعته؟ 


أشعر بكل الأبواب والحوائط تتبدد من حولي حين استنفذ خوفي. لن أقضي عمري في انتظار منقذ ما لكي ينتشلني من بئر لبدتُ قاعه لسنوات. لذا، استعدت ولايتي على مصيري يوما ما بين سبتمبر وأكتوبر. هذا نبأ مؤلم لابد استقباله بالاحتفال. في الآبار قد تموت من الوحدة، في البحار تموت غرقًا.


في الربع الأخير تتزايد التحديات وكأنها تغمرني حتى كتفاي. الأكتاف هي مقياس الأمان لمن لا يجيد السباحة، بمجرد أن تغطي الموجة كتفك تُدرك أنك وصلت أبعد نقطة تستطيع الوصول لها من الشط. لا أجيد السباحة، وبعد مشاهدة أسمهان أتوجس من الموت غرقًا مع أنها ليست أسوأ ميتة أسمع عنها. ماتت خالة أمي منتحرة قبل ولادتي. هذه قصة مؤلمة أخرى أحكيها لكل معالج نفسي جديد. 


لثالث عام على التوالي، أضع هذا الهدف الرياضي؛ أني سأذهب لـ gym، تزيد كتلة عضلات ذراعي الوهن ← هوب! أتعلم السباحة! 


أرسم تلك المعادلة وأكون ربطات شرطية حتى تتابع أحدهم الأخرى، وإن فشلت في واحدة، أفشل في الأخرى بالتوالي. هي حيلة ممتازة إذا سألتني. اتوقع من خلالها تحقيق النتيجة المثلى من المحاولة الأولى. لا أعرف كيف أكون مبتدئة أينما ذهبت. في صغري مثلا، كانت تشجعني جدتي وخالتي على إتمام واجب المدرسية لكي أسعد ماما، وهي ليست أي 'ماما'، هي 'ماما' التي تربيني وحدها دون أبي، وإسعادها واجب وصلاة سادسة. 


يبدو الأمر الآن هينًا، لكن حينها شعرت أن سعادة أمي تتوقف على درجات اختبارات الدراسات الاجتماعية والفرنساوي وكأنها مسألة حياة أو موت. بالطبع أتفهم أنهم لم يعنوا أي سوء، أرادوا عون أمي في تربيتي وحثي على المذاكرة فحسب. لم تنجح هذه الطريقة مع أي طفل بالعائلة غيري مما يجعلني أتساءل، كيف يُولد بعضنا أكثر حساسية عن غيره؟ 


عزيزي سانتا،

مازلت أحمل معي، ولو جزئيًا، هذا العبء.