
نعم الحياة عديدة، لكن هناك بعضًا منها يداوي بداخلنا الجروح التي لا تعرف طريق الالتئام. منذ ما يزيد عن خمسة وثلاثون عامًا، ذهبت جدتي إلى الطبيب الشاب الذي افتتح عيادته بجوار منزل العائلة في حي الجمالية، وقد بلغت أمي الصف الأول إعدادي للتو. كان يدعى محمد إبراهيم، وقد تخصص في طب الباطنة والأطفال.
أصبح د. محمد طبيب العائلة منذ هذا اليوم، كلما مرض أخوالي أو خالاتي، ذهبت جدتي بهم لمحمد إبراهيم، وتبعتهم أنا بوصفي الحفيدة الأولى لجدتي. سلالة كاملة تحظى بالعلاج لدى نفس الطبيب منذ أن نبلغ وزن ثلاثة كيلو جرامًا، حتى الرشد.
ذهبت بخطيبي له منذ يومان حين مرض. لا أعلم ما الذي يميز الجمالية، لكني أنسى همومي تمامًا حين تخطي قدماي هنا. دون أن أدرك كانت تلك الزيارة أكثر حميمة مما توقعت. تحدث د. محمد عني مستخدمًا لفظ الابنة طول الاستشارة حتى أنهى زيارتنا بقوله: "أشوفك كمان أسبوعين مع بنتنا إن شاء الله."
كان شعور لطيف للغاية، أن أكون ابنة لأحدهم، وأن يكون هو شخص كفء في نظري.
المجتمع الذي ننشأ فيه لا يخلق الكثير من الآباء الحقيقيين. جرح الأبوة هو جرح لا تدركه إلا بعد العديد من العلاقات المسيئة، أو مع تغيب مبادئ حياتية سليمة تحكّمك في المواقف الحياتية اليومية. فتُقدم على حياتك وأنت تتعلم من خلال المحاولة والخطأ دون حب وإرشاد مثلما فعل سكينر مع فئرانه في المعمل.
حين رحل أبي لم أفهم ما الذي فقدته حتى ظهر مدرسي المفضل في الإبتدائية، مستر عامر، مدرس اللغة العربية. كان يعاملني كابنته وكنت تلميذته المفضلة. أتذكر يومًا بعد انتهاء الدوام المدرسي والدروس الخصوصية، تناولنا الغداء سويًا في مطعم بجوار المدرسة، حينها أفصحت له أني أريد أن أصبح كاتبة ويقرأ لي الناس المقالات والأشعار. رأيت في عينه سعادته وفخره بي، وبذلك كانت تلك أفضل وجبة تناولتها على الإطلاق.
أما في الإعدادية أتقنت الإنجليزية بسبب حبي للأفلام والمزيكا الأجنبية، وظهر حينها معلمي الآخر، مستر محمود. كان يكترث لأمري ويتباهى بي في كل الفصول والدروس الخصوصية. لكن في نهاية تلك المرحلة أصابتني أول نوبة اكتئابية التي غيرتني تمامًا، وكان هو أول من لاحظ التغيير الذي طرأ علي، وأكثر سألًا عن حالي.
في الحقيقة أحبني الكثير من الآباء الذي لم يكونوا أبي.
خلال السنوات الجامعية قابلت النسخة الدرامية من الأب المثالي، الأسطورة؛ جاك بيرسون. هو التجسيد الحي للزوج الذي أرغب به، والأب الذي اتمناه لأطفالي، واتمناه لحالي في طفولتي. ودون أن يعلم، فقد تبنى جاك أكثر من طفلاً بتبنيه لراندال، وساعدني في نعي الأب الذي لم أحظى به.
تعلمت أن بعض الجروح لا تلتئم مطلقًا، ولكننا نتعلم أن ننمو حولها. أن النمو حول الصدمة مفهوم ينبثق من علم النفس الإيجابي الحديث، وهو لا ينكر الفاجعة العميقة التي أصابت الشخص، ولكنه يحمل في طياته مغزى آخر للألم. ذلك الألم الذي يدفعنا إلى الخروج من مداراتنا وتغيير فهمنا عن العالم من حولنا، وعن أنفسنا.
حين تنجو من صدمةً ما، ترى في الحياة فرصًا ذات بريقًا غير مألوف ويزداد تقديرك للحياة. وبعد أن تصارح نفسك، تتولد لديك مهارة جديدة من الوصال تسمح لك في اختبار مستويات أعمق من الحياة والعلاقات الإنسانية. ينمو لديك حسًا جديد من الذات، ليس تعويضًا عما فقدت، ولكن بالرغم منه.
فالسؤال الآن؛ كيف ننمو من خلال ما نمر به؟