عن موت المُدن الذي أعرفه

فاطِمة

. 4 د قراءة

«قال لي: يرحل الناس وتبقى المدن. قلت له: وماذا يبقى للناس إذا رحلت المدن؟»

إبراهيم عبد المجيد، الإسكندرية في غيمة



كانت جدتي تعشق المشي، تصطحبني في تمشيتها اليومية من وسط البلد إلى كورنيش أسيوط، وتمشيتها الأسبوعية من بيتها إلى الشيخ حمادة لصلاة الجمعة ثم المرور بأحياء قد زالت معالمها، وكانت حينها أسيوط مدينة…

أحكي لأصدقائي عن موت المدينة وأقول لهم أن المدينة ماتت عندما ماتت جدتي، أو هكذا أشعر.. في البداية كانت فجيعة بيع سينما رينسانس بوسط البلد لبناء برج سكني (طويل للغاية)، وذلك في عام ٢٠١٦، ثم توالت الفجائع.. في بعض الأحيان تكشف لي الأشياء عن نفسها وتقول: كنا هنا، كنا هنا.


«إضرب يابو شوقي» 


يحكي لي بابا أنَّ أسيوط كان بها ثلاث سينمات. ثلاث سينمات، كل واحدة على بُعد أقل من كيلو من الأخرى، تبقى من ثلاثتها برج بائس به شاشة عرض صغيرة تعرض فيلمًا تجاريًا واحدًا. بُنيت سينما رينسانس أسيوط، المعروفة آنذاك بالسيما الشتوي، عام ١٩٠٨، ومنذ ذلك التاريخ جُدِدت لتتماشى مع عصرها..  شاهد بابا فيها فيلم هجرة الرسول والكثير الكثير من أفلام فريد شوقي ملك الترسو.. وصولًا بفيلم الباشا تلميذ الذي شاهدته العائلة في مطلع الألفينات. أمشي وسط الميدان وأشاهد أطلال المبنى العملاق الذي تحوّل إلى جراج سيارات كبير، إلى أن يصدر تصريح البناء ليُصبح مبنى مُكتظ بالعيادات الطبية. كان هناك مسرح كبير في قصر الثقافة، وبجهودٍ شبابية أُنشِئ «نادي السينما»، نادٍ مُستقل تابع لقصر الثقافة، وبعد عام ٢٠١٦ ومع كثرة التضييقات المُتوقعة انتهى نشاط النادي، وكان عرضهم الأخير في أكتوبر ٢٠١٦.كانت هناك الكثير من المحاولات الجيدة لعرض الأفلام ومُناقشتها، لا أعرف لماذا توقفت، أهو الملل أو إن مفيش حاجة جايبة همها؟ أيًا يكن، ينتابني الآن الغضب كلما سمعت عن مدينة بها ثلاث سينمات واحدة منهم صيفي ومكشوفة. تُثير أعصابي فكرة السفر لست ساعات لمشاهدة فيلم ما، أتذكر كلام بابا عن عمو محمد رحمه الله: «السيما كانت بتعرض فيلم إنجليزي جديد كل يوم إتنين، وعمك كان معروف هناك عشان بيروح يحضر كل يوم إتنين»، الراجل دا كلامه بيغيظني.. توجد سينما في سوهاج، بس لو أسيوط ماتت فسوهاج إتحللت من زمان. 


كنت أنتظر عيد ميلادي بفارغ الصبر، فكل عيد ميلاد يعني شروة كتب معتبرة من دار المعارف، مع تمشية لا محدودة بلا تذمر ولا اقتراح ركوب تاكسي.. 



وأنا عيني ع الحلى والحلى ع الطرقات


رغم كليشيهية ما حدث، فقد حدث فعلًا. مطلع عام ٢٠١٦ وفي آخر يوم من امتحانات نهاية الفصل الأول من عامي الجامعي الأول، كانت السماء تدمع، وكنت أحمل شادي، جيتاري العزيز، أردت شراء رواية تؤنسني في إجازة منتصف العام، فدخلت المكتبة المُقابلة للكلية. في هذه المكتبة وفي ذاك اليوم، حيث يصدح صوت فيروز بأغنية «قديش كان في ناس»، تعرّفتُ على واحدةٍ من أهم صديقاتي؛ كلتانا قارئتان نهمتان ومهتمتانِ بالترجمة، كما تعرّفتُ يومها على الكُتُبيّة وأصبحنا صديقتين. عندما بدأ الفصل الدراسي الثاني، أصبحت أنتهي من محاضراتي وأذهب إلى المكتبة، نجلس معًا نتحدث عن الموسيقى والكتب وعن كل شيء تقريبًا، كانت المرة الأولى التي أعرف فيها إن زياد ابن فيروز، قضينا فيها أوقاتًا بديعة. وفي أحد الأيام قبل نهاية العام أخبرتني أن لديها خبرًا سيئًا، وهو أن فرع هذه المكتبة سيُغلق وسيُبنى مكانه حمام سباحة… ابتلعت الخبر وانتهزنا ما تبقى من وقت لتوديعها، وحين جاء اليوم الأخير بكيناها معًا. إلى اليوم لم يُقام أي شيء مكانها، لما مررت بها آخر مرة وجدت إعلانًا «انتظروا افتتاح أكبر فوود كورت في أسيوط». أما فرعها الثاني القريب من وسط البلد، فقد تحوّل من مساحة ثقافية لمقابلة الأصدقاء وحضور النقاشات إلى مكتبة لبيع الأدوات المدرسية والرفايع، بمعنى آخر بقيّت آخرِ العنقود. رحلت جدتي عام ٢٠١٩، قبلها ببضعة أشهر تقريبًا أُغلقت مكتبة ألف، والتي كانت المنفذ الوحيد تقريبًا لبيع الكتب الإنجليزية الأصلية، هي ودار المعارف. آه دار المعارف، لدار المعارف قبل عام ٢٠٢٣ فرعان، أكبرهما مبنى مُستقل في وسط البلد بالضبط، قال لي بابا عندما ذهبنا معًا في مرة «عليهم مديونيات بملايين»، إلحقنا وإلحقهم يا ربي.. بِيعَ مقر الدار وأصبح متجر ملابس كبير. أما الفرع الثاني، ربنا يعمي أعينهم عنه، لا يزال صامدًا، أغلب الظن لأنه يقع في مكان ميت بالنسبة إلى المُستثمرين، ولم أذهب إلى الفرع الجديد بعد.  


ما تبقى لكم… 


ما الذي يعنيه أن تعيش في مدينة ميتة؟ 

قرأت في مرة إننا نعيش في عالمٍ يُفقد الأشياء قُدسيتها فتتحول الأماكن التي نعيش فيها إلى مقابر. شعرت بوطأة موتها بعد نزوح الأصدقاء إلى القاهرة… أمشي في الشوارع التي كانت حية وأتمتم، كانت هنا، كان هنا، كنا هنا.. فماذا يبقى للناس إذا رحل الناس ورحلت المُدن؟ لم يتبقى إلا الفتات، شبه سينما، شبه مكتبة وبعض المحاولات لبناء مجتمع شبه ثقافي، يحاول إحياء ما تبقى من رفاتها.


أمشي وأنا أتذكر جدتي، أتذكر الأماكن التي كانت، والأصدقاء الذين لم يعودوا..


https://music.youtube.com/watch?v=AOp0aXd1CYo&si=_olh2RpdNHhCOUYR