عن الأسى على ما يبدو

فاطِمة

. 4 د قراءة

مرت أربع أعوام وأنا أقف أمام جرحي في انتظار تحوله إلى ندبة، أحاول وأفشل ثم أعود للمحاولة.. لا بأس قد يتحول الأسى والغضب إلى شيء ما. تقول لي ماما أنها عندما كانت في مثل عُمري لم تكن البسمة تُغادر شفتاها، أفرح لأن إحدانا لم تُثقلها الحياة بالأسى والحنين وعُقدة الناجي. أحيانًا أشعر بأنني صغيرة، فتفوتة لم يكن على الحياة أن تُجربني بهذا الشكل الذي لا أستحقه، وإن كنت سأطرح هذا السؤال، فمن أصلًا يستحق؟ الأسى، الثِقل والعناء موزعون بالتساوي.. الناجي الأخير، فما الذي على الناجي الأخير فعله؟ رأسي تؤلمني مُجددًا، وتلك الندبة اللعينة لم تظهر بعد.. 


لا طول بعدك يغيرني، ولا الأيام بتبعدني


في بعض الأحيان يلعب عقلي لُعبة ما زلت أحاول سبر أغوارها، وهي لعبة النسيان، يمسح عقلي الكثير والكثير من الذكريات رغم أنني يا حبيبي لا أريد أن أنسى.. 


بعد رحيل أخي، يا الله يالثِقل هذه الكلمة، لم أستوعب الكثير.. لم أكن أعرف معنى الفقد الحقيقي، كانت الحياة تتلاعب بي، مرة ستو ثم بعدها بعامٍ تقريبًا أحمد.. يعني إيه. 

بصراحة، حتى الآن لا أدري يعني إيه.. لكن نسياني يُغضبني، وعقلي يفتح علبة الذكريات فجأة، فجأة يتذكر كل شيء.. 

اشتريت كتاب عن الأسى والتأسي منذ أكثر من سبعة أشهر، وفتح عقلي العلبة وعندما أغلقت الكتاب أغلقها، لم أتخطى فصله الأول حتى.. 

سأحاول في هذه المدونة الكتابة عنه، عني، وعن ماذا يعني هذا كله.. 

قبل أن أكتب تحت تأثير الكتاب، هذا ما كتبته بعد مرور عدة أشهر،


«أشعر بوهن وثِقل لا يحتمل.. لا أستطيع الحديث مع أصدقائي ولا أستطيع الحديث في العموم. لماذا أكتب؟ ليس صرخة استغاثة أو محاولة لفتح أي أحاديث فقط أريد التنفيس عما يجول داخل رأسي.. آه رأسي لا يغادرها الصداع يا عزيزي، ليس هذا مهم الآن. الغرفة، كيف يمكن أن تصبح غرفة عادية في منزل عادي إلى مقبرة؟ مقبرة تستحثُ ذاكرتك لاسترجاع كل شيء.

هل تخاف الظلام؟ هل تخشى الحديث عن الموت؟ هل تخشى الموت؟

قبل تلك الليلة-رأسي مشوش للغاية ولا نية لي في تسميتها، دعنا نشير إليها دائمًا "تلك الليلة"- لم أكن أتوقع رؤية جسد أخي بهذا الاستسلام... جسد نائم، ووجه وديع.. وأنا هناك عند باب الغرفة يمسك أخي بيدي قائلًا "احضني أخوكي".. هذه الجملة، آه هذه الجملة، لولا سياقها ولو لم تكن قيلت في "تلك الليلة" لأصبحت جملة عادية، عادية حد السخف.. هل ترى؟ ما حدث في تلك الليلة ليس عاديًا... قبل أن يأتي إلى المنزل كنت سعيدة، سعيدة، تركت المشفى وكنت سعيدة.. الأمور بسيطة سيعود أخي بعد ساعات.. أترى؟ بسيطة.. كنت ساذجة، مغفلة.. لم أكن على علم بقدر سوء حالته، دائمًا يذهب إلى المشفى ودائمًا يعود لمَّ قد تختلف هذه المرة؟ أصرخ بأمي أن تكف عن النحيب، هو بخير، سوف يصبح بخير.. كانت تشعر، وأنا؟ كنت أتمسك بالأمل.. غريب هو الأمل، حتى وأنا أمسك يده وأقبله لآخر مرة كان في قلبي أمل أن يستيقظ.

نشعر بأحبائنا، نشعر بهم على الدوام. قبل "تلك الليلة" بقرابة أسبوع راودني حلم سيء ومرعب، استيقظت وبكيت.. رأيت كفن أبيض، لم أقص هذا الحلم لأحد، ليس هذا فحسب بل اقنعت نفسي أنني لم أره من الأساس، وعلى الرغم من هذا صاحبني شعور سيء حتى "تلك الليلة". أرأيت؟ شئنا أم أبينا نشعر بهم.. لم لا نستطيع إنقاذهم؟

ثم؟

يتوقف رأسك عن العمل.. يحدث اختلال في مفهوم الزمن، ليس عليك فهمه، حتى الآن أنا لا أفهم ما الذي حدث.. فقط الكثير من البشر يحيطون بك، وتتردد على آذانك كل أصناف المواساة التي لا تفهم جدواها، لأن عقلك لم يستوعب ما حدث.

أوه، لا تسأل ماذا عني أرجوك، فحتى الآن عندما يسألني أحد عن حالي أشعر بألم في رأسي.. رأسي يؤلمني للغاية.

بعد تلك الليلة.. جنون فقط جنون، يهاتفك الجميع، دينج دينج دينج الكثير والكثير من الرسائل على غرار "الدنيا مش بتقف" أو "هتدخلي الأمتحانات؟" أو "فاطمة هو مكانش هيحب يشوفك كدا" وفاطمة تشعر بالذنب لأنها تتنفس وهو لا..

كان لدينا الكثير من الخطط والكثير من الأحلام... كان صديقي.. كان صغير.

تقول لي أمي أن جدتي تعتني به الآن.. أتمنى ذلك.

أشعر برأسي يؤلمني، سوف أخلد إلى النوم الآن.

ملاحظة: الحياة قصيرة جدًا، رُغم بداهة الجملة، دائمًا ما نختبر مدى صدقها متأخرين؛ لأننا نرى المنطق والسُنن الطبيعية خلف لوح زجاجي.. سليمة جدًا جدًا ويُمكن تطبيقها على الجميع إلا نحن…»


يُغني مشروعي الموسيقي المُفضل «النوم أخيرًا» أغنية بعنوان «الأسى» والتي يصف في مطلعها ماهية الشعور وميكانيكيته.. في كُل اللحظات التي استمعت فيها لهذه الأغنية أُغلقها قبل المقطع الأخير، إذ يتلذذ عقلي بشكلٍ ما عندما يقول المُغني أنه «عندما ينسلّ خيط واحد ينهار كل مُحيطه» نعم أغلقيها، أليس كُل خطوة شُجاعة تنتهي بحطامها الذي يتجمع فوق رأسك؟

أُغلقها..

منذ فترة قصيرة قررت الاستماع إليها مُجددًا، رغبة في إعادة تشرُب الأشياء التي أُحبها كنوع من أنواع التسلح أمام القُبح..

بانكسار يُكرر الصوت مرارًا أنه لا يقوى على محاربته، ثم وكأن روحه تستيقظ فجأة في غفلة من وطأة هذا الشعور يقول أنه عليه تعلُم مُحاربته حتى يصل هذا البندول إلى نقطة اتزانه…


في الأغنية تنتهي العاصفة وتنقشع كل السحب.. أهذا ما قد يحدث؟ يا رب.