كنت أجلس مع صديق مقرب على إحدى المقاهي وسألني ليخيرني بين البقاء مع حب عمري في ظلال حياة عادية مستقرة ماديا ، وبين التخلي عن أهدافي ،وخططي المستقبلية، وما أطمح إليه في المستقبل لم استغرق وقت طويلا حتى أجبته بأني أختار التخلي عن حب عمري أهون علي من التخلي عن الأهداف والطموح ، رغم شخصيتي الرومانسية/الرومانتيكية الحالمة، ورغم إيماني الشديد بالحب ودوره في الحياة.
ولكني بررت له ذلك موضحا أن التخلي عن الفتاة التي أحبها خسارة كبيرة لشيء ذو أهمية ومكانة في حياتي، اما التخلي عن الأهداف والطموح وما أسعى لتحقيقه هو تخلي عن نفسي، وعن الحياة أصالة. ولو سوف احصل في المقابل على حياة زوجية سعيدة، وحياة مادية مستقرة كما وضح لي صديقي، لكن ليس المال وحده هو القصد من وراء ما أسعى إليه.
بعد فترة طويلة من هذا الحوار، وقع تحت يدي كتاب بعنوان " رسائل ما قبل الانتحار " للكاتب (إسماعيل عرفة)، كانت الكتاب مقسم إلى فصول كل فصل يتناول شيء من السيرة الذاتية لشخصيات مختلفة لا يرابط بينهم سوى النهاية الدرامية الدموية التي آلت إليها حياتهم.
فقد قام جميعهم بالانتحار! استوقفتني قصة الكاتبة (أروى صالح) فقد كنت قد قرأت عنها قبل سابق .. أروى صالح ناشطة سياسية، ومن ضمن أعلام الحركة الطلابية في مصر أوائل التسعينات من القرن الماضي في الجامعات المصرية.
امتلكت أروى حلم بداخلها، سعت له بكل جهدها وقدمت في سبيله كل ما تملك بشكل مادي ومعنوي ، أثر ذلك الحلم على جوانب كثيرة من حياتها أفقدها حبيبها الذي كان، والكثير من أصدقائها ،بالإضافة إلى التعرض إلى عقبات مثل السجن؛ يرصد لنا ذلك الأستاذ محمود الورداني في مقال له على موقع مدى يقول : تعرضت أروى للاعتقال مرتين، الأولى في أعقاب اعتصام جامعة القاهرة الذي تم فضه بالقوة في 24 يناير 1972، والثانية عام 1973، حين أمضت عدة شهور في سجن القناطر في إحدى حملات الشتاء التي اعتادت أجهزة الأمن شنّها لسنوات طويلة ضد اليساريين. يكمل الأستاذ محمود حديثه : وعلى الرغم من أن والدها كان يشغل منصبًا رفيعًا، فقد كان وكيلًا لإحدى الوزارات، وهو ما كان يكفل -في ذلك الزمان- مستوى اجتماعيًا مرموقًا، إلا أنها غادرت بيت أسرتها مبكرًا، وعاشت حياة سرية كاملة كمحترفة ثورية استمرت حتى أوائل ثمانينيات القرن الماضي، ونشرت الانتفاض (المجلة العلنية للحزب) والشيوعي المصري (المجلة النظرية للحزب) مقالات عديدة باسمها الحزبي «صفاء إسماعيل علي»، والتحقت بصفوف اللجنة المركزية للحزب. الحلم الذي حملته أروى وحلمت بتحقيقه هو التخلص من النظم الاستبدادية، ونشر نور الحرية والعدالة والأمان – على الأقل هذا ما كانت تتمنى - شاركت أروى في مظاهرات كثيرة وأنشطة سياسية أكثر، ضحت بروحها و راحتها، ولكن في النهاية لم يتحقق شيء مما تمنته أروى.
أبدع الأستاذ علاء خالد في الوصف حينما وأطلق على هذا الحلم " الحلم القاتل " في مقاله منشور على موقع المنصة " حلم أروى صالح الذي لا أفق له " يقول علاء خالد : ربما كان الحلم قاتلًا، لذا كانت صياغته وتجسيده قاتلين أيضًا، خصوصًا لجيل أروى الذي كون تنظيماته دون أي مرجع شعبي له.
هو ليس جيل الطلبة والعمال في 1946، ولا حتى جيل 1967 الذي تقاسم مع الشعب مرارة هزيمة جعلت من الشعب مرجعًا هامًا له. جيلها حلم بمفرده، منفصلًا عن العائلة دون تمرد، لذا تحرك داخل جيتوهات، ينتج فيها أفكاره وأسماءه السرية والحركية وكأنه تنظيم سيغير العالم.
بالإضافة إلى الحلم القاتل الذي تبنته أروى يكشف لنا الكاتب والباحث شعبان يوسف في كتابه " لماذا تموت الكاتبات كمدا ؟ " عن طبيعة أروى الرومانسية – وهو الشاهد من حديثنا عن رضوى بجانب الحلم القاتل – ،الطبيعة الرومانسية للكاتبة أروى صالح هي التي دفعتني بأن اختارها هي من بين الشخصيات المختلفة التي تكلم عنها كتاب – رسائل ما قبل الانتحار – شعرت حينما قرأت قصتها بأن هناك جوانب مشتركة بيننا .
يرجح الكاتب شعبان يوسف في كتابه " لماذا تموت الكاتبات كمدا؟
" بأن السبب وراء انتحار أروى صالح يرجع إلى طبيعتها الرومانسية فيوضح لنا أن سبب انتحار أروى صالح يعود إلى "رومانسيتها المفرطة، تلك الرومانسية التي لم تحتمل تناقضات الواقع".
تتحدث أيضا أمينة النقاش عن نفس الأمر في مقال لها : والمشترك بين أروى وبهاء، أنهما كانا "شخصين حالمين، مرهفا الشعور والوجدان يفتقدان للثقة في النفس.
بين الحلم القاتل الذي اتلهم أروى وبين رومانسيتها المفرطة وبين حديثي مع صديقي الذي بدأنا به ، وبين نتائج اختبارات الشخصية التي أظهرت لي أني انتمى الى شخصية المدافع / الحالم.
ومع الملاحظة الواعية للنفس فهمت إجابة سؤال طالما حيرني .. لماذا أفكر كثيرا في الانتحار بالرغم من إدراكي لطبيعته وما يؤل إليه الأمر بعد ذلك؟
اخترت في بداية المقال عندما خيرني صديقي أن احتفظ بالأهداف، والطموحات المستقبلية و ما حققته من إنجاز في الطريق الذي أريده لنفسي . وذلك بسبب إني اعرف نفسي كشخص في إطار أهدافي وطموحاتي تلك تماما كما فعلت أروى صالح عندما اختزلت نفسها في طموح واحد .
يتضح لنا ذلك بوضوح شديد في معرض حديث أمينة النقاش عن العلاقة بين شقيقها بهاء ،وبين أروى في مقال تحت عنوان ( اعتذار أروى صالح الذي لم يصل إلى صاحبه ) : وأعلن لنا أنه في الطريق للزواج منها، وطلب منا إخلاء غرفة في منزل الأسرة بشكل مؤقت، لإتمام ذلك، حتى يتسنّى له الحصول على مسكن خاص به، لكن أروى لم تكن تبدو متحمّسة لذلك، فكيف لها أن تفكر في خطة لمستقبل شخصي، وهي المناضلة الشيوعية التي تمتلك شغفاً لا سماء لحدوده بتغيير العالم".
يقول فيكتور فرانكل :
"من يمتلك سبباً يعيش من أجله فإنه يستطيع غالباً أن يحتمل بأية طريقة وبأي حال. فالويل لمن لا يرى في حياته معنى، ولا يستشعر هدفاً أو غرضاً لها ومن ثم لا يجد قيمةً في مواصلة هذه الحياة."
هذا عينه ما حدث ما أروى عندما وجدت في نضالها أمام الباطل والظلم والاستبداد سببا تعيش من أجله ، وساعدها ذلك على تحمل الكثير من المشقات، ولكن عندما انهار هذا السبب فاقت أروى من غفلتها فوجدت حياتها بلا معنى فقد غاب السبب الذي كانت تعيش من أجله وغابت معه قيمة الحياة فلم تجد مبررا في مواصلة هذه الحياة.
هذا ما حدث مع أروى، فما الذي حدث معي إذاً؟
في الحقيقة بعد استقراء المشهد وبعد إدراك الأمر بدأت ارتجف خوفا من نفسي على نفسى !
ماذا لو انهارت طموحي وتحطمت أهدافي؟
هل يكون ساعتها الانتحار المخرج الوحيد للهروب حينئذ ؟
وما المانع؟
فقد غاب السبب الذي اختزلت نفسي فيه، بالإضافة إلى طبيعة شخصيتي الحالمة/ الرومانسية المشابهة تماما لشخصية أروى صالح ولكثيرين بخاصة المفكرين والمبدعين.
ظللت فترة طويلة أطيل التفكير في الأمر، حتى اهتديت إلى أن السردية الوحيدة التي من الممكن أن تكون هي السبب الذي اعيش من أجله واختزل تفسير/ تعريف نفسي من خلاله هو " عبادة الله عز وجل " . سبب منطقي جدا قد خلقنا من أجله في الأساس، بالإضافة إلى أنه غير قابل للزوال أبدا. الأمر يحتاج منا كتابات أخرى غير هذا المقال، وهذا ما ننوي فعله في المستقبل.
---------
راجع :
كتاب لماذا تموت الكاتبات كمدا؟
مقال اعتذار أروى صالح الذي لم يصل إلى صاحبه - أمينة النقاش
مقال حلم أروى صالح الذي لا أفق له - علاء خالد
تم.
٩ أغسطس/ الجمعة ٢٠٢٤
أخذتنا في رحلة ماتعة بين الكتب والشخصيات، وأجدّت تحليل شخصية أروى صالح وجيلها بالكامل.
أنتظر ما وعدتنا به: "عبادة الله عز وجل". سبب منطقي جدا قد خلقنا من أجله في الأساس.