بعض الشائعات تتآكل بفعل الزمن. دائمًا ما كنا نسمع عن قداسة المرأة في الصعيد، وعن صلابة رجاله، وعن غياب نطاق الصعيد عن سلطة الدولة، وأشياء أخرى تآكلت مع الزمان، ولم تعد كما كانت في الماضي. لكنها لا تزال كذلك في أفلام السينما والتلفزيون، مما ساعد على ترسيخ معتقدات بالية عن الصعيد حتى الآن. ورغم التغيرات الحاصلة، لا نزال نحتفظ بتصورنا القديم، ليبقى هذا دليلًا يُضاف إلى أدلة كثيرة أخرى على تأخرنا.
يُذكّرني هذا بالصورة الذهنية المتخيلة لدى الغرب عن العربي الذي يعيش في الصحراء ويعتلي الناقة.
الآن، صلابة القانون اشتدت، وشوكة رجالات الشرطة أقوى، والجميع يرضخ للشرطة ورجالها. لم يعد بإمكان أحد أن يتكبّد عناء مئات الآلاف التي تُدفع إلى المركز على هيئة تسليم سلاح بعد كل معركة.
أكتب هذا الآن، رغم أني مهموم به منذ سنين، إلا أن هذه اللحظة — وأنا أرى أمام عيني رجال المحافظة يدكّون بيتًا يحاول النهوض على السطح — تدفعني إلى الكتابة.
قرار إزالة صدر ويُنَفَّذ الآن، ورغم محاولة صاحب الأرض، الشاب اليافع، التصدي لذلك، إلا أنه بعد دقائق لم يكن أمامه سوى الصمت، والفرجة على أساس البيت وأعمدته وهي تسقط أمام عينيه، كمتفرّج مرّ بالصدفة أمام حادث مثل ذلك.
خلال التنفيذ، جاءت الأم تصرخ. خرجت من "التوك توك" تحسبن، ورمت بجسدها أمام الحفار الذي يهدم البيت بعنف شديد، كأنه ينتقم لشيء ما! حاولنا أن نُبعد الأم بعيدًا عن الحفار حتى لا يصيبها الضرر. العجيب أن سائق الحفار لم يُلقِ لها أي اهتمام، وظل مستمرًا في عمله، كأنه لم يرَها، وكأنها لم تأتِ!

يكسر هذا الحديث، للقارئ، الصورة المزيفة عن الصعيد، وقصصه المرعبة المكتظّة بسفك الدماء وحكايات الانتقام. وفي الوقت نفسه، يكسر عند كاتبه، وقاطني الصعيد اليوم، عزة نفس قد رسختها السنين.
يُضادّ ذلك عقيدةً كنا نؤمن بها جميعًا، تنصّ على أن المرأة لا يمكن أن يتعرض لها أحد، ولو بكلمة، وأن لها حضورًا مقدسًا يجب أن يُراعى مهما كانت الظروف.
وينص أيضًا على أن الفلاح الصعيدي لا يقبل التهاون في حقه أبدًا، ولو كلّفه ذلك نفسه وماله وولده. ولا يعتق من تعدّى عليه إلا جثةً هامدة.
كل ذلك أصبح من الأساطير التي تتناقلها الأجيال.
أمانة الرجال قد انتُهكت!
تحكي لي جدتي، في ثنايا كلامها، عن كيف حصل جدي على هذه السرايا الواسعة، والأراضي الشاسعة. تحكي أن والدها، شيخ الغفر، كان جالسًا عندما رأى الخواجة على حصانه ينزف دمًا، فهرع إليه ليطمئن على سلامته، ويسأله عمّن فعل هذه الفعلة الشنيعة. والمفاجئ أن الخواجة أخبره أن الفاعل هو شقيقه! فما كان من جدي إلا أن كسر رقبته وقتله.
والآن، نجلس نحن في السرايا مكانه.
أتذكّر، أثناء كتابتي هذه السطور، مشهد دفن "أم منتصر" في رائعة عاطف الطيب الهروب. وفاة الأم جعلت منتصر يهرب من الشرطة لكي يحضر الدفنة.
أنظر، خلال تكرار مشاهدتي للفيلم، لتجمّع الرجال حول منتصر، وترهيبهم لرجال الشرطة بحرقة شديدة.
ويجعلني ذلك كله أتساءل:
ما الذي حدث لرجالات القرية؟