
يستيقظ بألم في حلقه، يبدو أنه ابتلع السيف في منامه، وبقيت آثاره عالقة كالعادة. لا يعرف كيف يفرق بين نسج خياله وواقعه؛ الاثنان سيان حينما تتداخل الخيوط في رأسه، وحينما يصبح الواقع أشد وطأة من كوابيسه، فيأتيه النوم رحمة يستجير بها، ولو جاءه الموت لرحب به كمن وجد أخيرًا طوق النجاة.
رغم كل شيء يجبر نفسه على النهوض، مرددًا بضع كلمات هي بمثابة أوامر يستقبلها جهازه العصبي إشارة تلو الأخرى حتى يستجيب. يبدأ في الاستعداد، سيواجه العالم الخارجي بعد أن يتناول نصف رغيف من الجبن وكوب شاي، بينما يستمع إلى أغنية فرنسية قديمة تنتمي إلى الثمانينيات. شيء ما عالق في قلبه هو سبب شقائه؛ إنه التطلع إلى الغد، ذلك الشوق المحموم في جوفه، المصحوب بكل القلق والخوف. تستدعي كلمات أغنية الثمانينيات مقطع آخر لأغنية عربية كتبها الشاعر أحمد رامي وغنتها أم كلثوم تقول: من كتر شوقي سبقت عمري. وغلبته الفكرة: إنه في حالة تجاوز دائم، فمتى يعيش؟
يختبيء خلف نظارته وجاكيت بعنق طويل يخفي ما تبقى منه وراءه، حيلة يظن متوهمًا أنها ستخفيه ضمنًا عن ذاته المؤرقة لكنه لا يفلح، لم تعد علاقته بالشارع كسابق عهدها، كل ما حوله تغير، المدينة التي عرفها تآكلت، لم تصمد أمام اجتياح وقح لمظاهر رأسمالية العصر. البائع في الباص صار يروج لبضاعته بلغة أجنبية، لا بأس أن تذوي اللغة الوحيدة التي انتمى إليها طوال حياته أيضًا.
ما الذي ينقذه من حومة العدم والعذاب المغدق سوى قليل من إيمان قديم بقيت شعلته الخافتة في قلبه، ونأى بها بعيدًا عن غلظة من عينوا أنفسهم حراسًا للإيمان والعقيدة، من يغلقون الباب في وجهه، فكأنهم يغلقون بابًا من أبواب رحمة الله هم لا يملكون أصلا مفتاحه، لكنها وقاحة الجهل وما يتبعها من جرأة.
الحب في حياته ليس سوى ومضة عابرة لم تمسه، كطيف في المنام يزوره حينًا ويدبر، كلما حاول لمسه اختفى، فرّ منه فرار الشاه الضالة من الذئب. سيعود في المساء محملًا بثقل وجود منفرد لم يختره، في جوفه جمرة من الغضب ليس من وجهة لها، قذفت في باطنه كما قذف هو أول الأمر إلى العالم، مكبلًا بقيد الضرورة، التسليم لإرادة كونية تجبره على الاستمرار.
لقد كان قدره الغرابة في هذا العالم، يمضي في خوفه، خطوه يأكل خطوه. يود أن يطول أقصى جدار الأمل، لكن ذراعيه على طولهما يعجزان. تبقى عيناه وقلبه المشتعل بنار الشوق إلى غدٍ، بين خياله وعالمه يشكل عقدة الخيط التي تربط بينهما، لعله يصعد عليها ذات يوم متجاوزًا شقاؤه.