
مشهد داخلي – غرفة ولادة – ليل
يدخل الأب متلهفًا إلى الحجرة، يقترب من صغيره الذي لم يُكمل ساعاته الأولى في هذا العالم، يحمله بين ذراعيه ويأخذه في نزهة بين ردهات المستشفى.
— مرحبًا يا صغيري… لا تعلم كم انتظرتك، وكم اشتقت لرؤيتك.
يرفع المولود يده ليحجب الضوء عن عينيه، ثم يقول بهدوء:
— مرحبًا يا أبي… ولكن، ألا يمكنك أن تطلب منهم خفض الأضواء قليلًا؟ فأنا لم أعتد هذا السطوع بعد.
يتجمّد الأب في مكانه.
—ماذا؟! مولود… يتكلم؟!
— نعم، يا أبي، أنا أتكلم. لكن لا تقلق… لن يسمعني غيرك. فلنجعل هذا سرّنا الصغير، إلا إن كنت ترغب أن تقضي بقية عمرك يصفونك بالمجنون!
يصمت لحظة، ثم يحدّق في السقف كمن يتذكّر شيئًا بعيدًا.
— أخبروني هناك أنك انتظرتني طويلًا، وأنك بذلت كل ما لديك كي تأتيني إلى هنا.
ثم التفت إليه وقال:
— بماذا كنتم تفكرون؟
أيّ رحمةٍ هذه التي تدفعكم إلى انتزاع روحٍ من العدم ثم تلقون بها في عالم لا ينجو فيه أحدٌ من الفقد؟
تربّون الطفل أعوامًا فقط ليكبر بما يكفي ليتعلّم كيف يخسر.
تجمّد الأب وعجزت الكلمات عن إسعافه.
فمدّ الرضيع يده الصغيرة إلى جيب أبيه، وانتزع منه سيجارته الأولى في هذا العالم، ثم أشار إلى أحد المارّة أن يُشعلها له.
أخذ منها نفسًا مرتبكًا، وسعل سعلته الأولى، ثم قال وهو يلوّح بالدخان أمام وجهه:
— لا بأس… يبدو أن التأقلم مع العالم يبدأ أسرع مما توقعت.
ثم أردف بصوتٍ هادئ
— ستعلّمونني الكلام… فأستخدمه يومًا لأقول وداعًا لمن أحب.
وستعلّمونني المشي… لأمضي نحو أشياء ستخذلني.
وستعلّمونني الحلم… لأدرك لاحقًا أن أكثر الأحلام وُجدت كي تنكسر.
ثم نظر إليه بعينين نصف مغلقتين من رهبة الضوء وقال:
— أنتم لا تُنجبون أبناءً… أنتم تمنحون الموت مزيدًا من المؤجَّلين.
ارتجفت يد الأب وهو يضمّه أكثر، ثم سأل بصوتٍ متهدّج:
— وإن كان الأمر كذلك فلماذا جئت؟!
ابتسم الوليد ابتسامة بالكاد وُلدت معه، وقال:
— لم آتِ… لقد استُدعيت.
ثم أغمض عينيه، وعاد طفلًا عاديًا يبكي…كأنّه أدرك لتوّه حقيقة ماحدث له.
**تمت**
المعجبون (1)